news-details
مقالات

من موازين القوى الكبرى إلى السيادة الوطنية: خارطة الطريق لنهوض العراق

إعداد /عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 
المشرف العام لتجمع اهل العراق 

مقدمة :
 من طنجة إلى جاكرتا
تشهد المنطقة تحولاً جذرياً يتجاوز مفاهيم الصراع التقليدية، حيث بدأت ملامح مشروع إقليمي كبرى تتشكل بقيادة أقطاب وازنة مثل السعودية وتركيا وباكستان. هذا التحالف، الذي يطبخ على نار هادئة، يطمح لإعادة تصحيح التاريخ وصياغة الجغرافيا بعيداً عن عصر الجماعات المسلحة والتيارات القومية الضيقة، متبنياً رؤية "إمبراطورية" حديثة تمتد من طنجة إلى جاكرتا. وفي خضم هذا التحول، يقف العراق أمام مفترق طرق وجودي؛ فإما أن يكون شريكاً سيادياً في هذا النظام الجديد، أو يظل تابعاً هزيلاً تذيبه ولادات الكيانات السياسية المشوهة وأقنعة القوى الدولية التي تبارك الفشل علناً وتتهمه بالتبعية سراً.
التحولات السيبرانية والجيوسياسية في فضاء السيادة
إن ترؤس القيادات العليا في دول الجوار لمجالس الأمن السيبراني لم يعد شأناً تقنياً عابراً، بل هو إعلان عن أن الفضاء الرقمي أصبح هو الجبهة الأولى للدفاع عن سيادة الدول وبنيتها التحتية الحساسة. هذه الاستراتيجية التي نجحت في ضبط ملفات معقدة في سوريا وغيرها، تهدف إلى إنهاء عصر الفوضى الميليشياوية وفرض هيبة الدولة النظامية. وفي ظل هذا التصاعد التقني والعسكري، يجد العراق نفسه في وضعية "المراقب" الذي تتقاذفه التسميات، تارة كحديقة خلفية وأخرى كبلد للفصائل، مما أفقد الدولة هويتها الستراتيجية وجعل جغرافيتها ممرًا لمشاريع الآخرين دون أن تمتلك قرارها السيادي في تلك المشاريع.
تشخيص المصاب وتفكيك بنية الهدم
يعاني العراق من مصاب بنيوي أدى إلى تشظي المجتمع وتهديم بناه التحتية والثقافية والاجتماعية. هذا التفتت لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج مشروع سياسي هندسته قوى دولية وإقليمية وأدوات محلية، أسست لنظام محاصصة يقتات على إضعاف الدولة المركزية. وهنا يجب التأكيد على مبدأ المسؤولية الكاملة؛ فكل من ساهم في إيصال العراق إلى هذا المستوى من الهوان يتحمل وزر هذا الانهيار. ومع ذلك، وبناءً على قاعدة العزل الستراتيجي، فإن أدوات الهدم لا يمكن أن تكون هي نفسها أدوات البناء، فمن تمرس في التفكيك لا يملك القدرة ولا النية للتركيب، مما يفرض ضرورة البحث عن "محرك" جديد تماماً لم يتلوث بعدوى المنظومة السابقة.
عقدة الدستور وإعادة تدوير الفشل
يمثل الدستور الحالي العائق الأكبر أمام أي نهوض وطني، حيث تحول إلى مظلة قانونية تتيح للأحزاب المتحكمة إعادة تدوير نفسها في السلطة رغم فشلها المتكرر. إن بقاء المواد الدستورية دون تغيير حقيقي يمنع العراقيين من الإتيان بقادة سياديين يمثلون طموحاتهم، ويجعل العملية السياسية تدور في حلقة مفرغة من "الولادات المشوهة". لذا، فإن المسؤولية تقع على عاتق من وضع لبنات هذا النظام لتقديم "شرارة التغيير" الدستوري والقانوني التي تتيح للمحرك الوطني الانطلاق، مع اليقين بأن هؤلاء قد يرتدون "وجوه الأدوية" حسب الحاجة لضمان بقاء مصالحهم، مما يتطلب وعياً شعبياً يفرق بين الدعم الحقيقي وبين الوعود الزائفة.
القبائل العراقية كبدن للهوية والوحدة
تعد القبائل العراقية هي المستودع الحقيقي للهوية العربية والإسلامية الأصيلة، وهي "البدن" الصلب الذي لم تكسره محاولات التجهيل أو التبعية. في ظل تشابه المعاناة من البصرة إلى أقصى شمال الإقليم، تبرز الحاجة إلى توحيد هذه الجهود خلف أجندة وطنية عابرة للمسميات والمناطقية. إن القبائل تمتلك "الشرعية الاجتماعية" والوحدة الوجدانية، لكنها تحتاج إلى مأسسة تنقلها من الفعل العفوي إلى الفعل السياسي المنظم. وهنا تبرز حكمة "لا تربط الجرباء حول صحيحة"، حيث يجب عزل هذا الحراك القبلي والوطني عن عدوى المنظومة الحزبية المتهالكة لضمان سلامة المشروع السيادي الجديد.
المحرك والشرارة وتكامل الأجزاء الثلاثة
إن النهوض العراقي المنشود لن يكتمل إلا بتكامل أجزاء ثلاثة: "البدن" المتمثل في القبائل، و"الإطارات" المتمثلة في المشروع السيادي الواضح، و"المحرك" الذي يمثل الداعم والشرارة الستراتيجية. هذا المحرك يحتاج بالضرورة إلى دعم لوجستي متطور وغطاء شرعي وقانوني يحميه من نفوذ السلاح والمال السياسي. وبدون هذا المحرك، تظل القبائل والمشروع في حالة سكون، بينما استمرار حالة التشظي يخدم فقط أصحاب المشاريع الخارجية. إن انتزاع هذه الشرارة وبناء المحرك الوطني الموحد هو السبيل الوحيد للدفاع عن المواطن العراقي واستعادة هيبة الدولة كقطب فاعل في المنطقة.
خاتمة الدراسة: استحقاق البناء والسيادة
في نهاية المطاف، إن الطريق إلى بر الأمان يمر عبر القطيعة التامة مع أدوات الهدم وتبني رؤية مؤسساتية شاملة تعيد للقبائل دورها القيادي وللعراق سيادته المفقودة. إن التاريخ لن يرحم من فرط في سيادة البلد، والمستقبل ملك لمن يمتلك الجرأة على تشغيل "المحرك الوطني" بعيداً عن إملاءات الخارج وأقنعته المتعددة. لقد آن الأوان ليكون العراق هو "القلب" المحرك لمشروعه الخاص، مستنداً إلى أصوله التاريخية وقواعده الشعبية الرصينة، ليعيد صياغة مستقبله بأدوات بناء بكر، طاهرة من جرب المحاصصة والتبعية.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا