الأسطورة التي تعود لتقود المشهد… رنا سماحة تتصدر التريند العالمي بـ"هختار حُبه" وتكتب فصلًا استثنائيًا من مجدها الغنائي ضمن ألبوم "مهري حياة"
الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في لحظة فنية نادرة لا تتكرر كثيرًا، تعود النجمة رنا سماحة لتفرض اسمها بقوة على خريطة الغناء العربي، ليس فقط من خلال عمل ناجح، بل من خلال حالة فنية مكتملة الأركان استطاعت أن تتسلل إلى وجدان الجمهور وتحتل مساحة واسعة من الاهتمام، حتى تصدرت التريند العالمي بأغنيتها "هختار حُبه" من ألبوم "مهري حياة"، في مشهد يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُصنع بالصدفة، بل يُبنى على رؤية فنية واعية وتكامل دقيق بين كل عناصر العمل، من الكلمة الأولى وحتى آخر نغمة تُسمع.
رنا سماحة في هذا العمل لا تظهر كمطربة تؤدي أغنية فحسب، بل كقائدة لمشروع فني كامل، تدرك جيدًا كيف تختار، وكيف تُقدم، وكيف توصل الإحساس إلى أقصى درجاته، فهي تمتلك تلك القدرة النادرة على تحويل النص إلى حالة شعورية حقيقية، تجعل المستمع لا يكتفي بالسماع، بل يعيش التجربة وكأنها جزء من حياته، وهذا ما جعل "هختار حُبه" تتحول من أغنية إلى حالة جماهيرية واسعة النطاق، تمتد عبر المنصات وتخترق الحدود.
ومن هنا تبدأ الحكاية مع الكلمة، حيث كتب الشاعر محمود سليم نصًا غنائيًا لا يعتمد على الزخرفة اللغوية أو التعقيد المصطنع، بل يذهب مباشرة إلى القلب، فيكتب بإحساس صادق وبساطة عميقة تحمل داخلها فلسفة كاملة عن الاختيار والحب والتمسك، كلماته تبدو سهلة لكنها محملة بتجربة إنسانية حقيقية، فهو لا يكتب فقط، بل يعبر، ولا يصف فقط، بل يكشف، ليمنح الأغنية روحها الأولى، ويضع الأساس الذي بُني عليه هذا النجاح الكبير.
ثم يأتي دور الملحن جابر جمال، الذي لم يتعامل مع النص باعتباره مجرد كلمات تحتاج إلى لحن، بل قرأه كحالة شعورية تحتاج إلى ترجمة موسيقية دقيقة، فقدم لحنًا ذكيًا يتنفس مع الكلمات، ويتحرك معها بسلاسة، ويصعد حين يتطلب الإحساس ذلك، ويهدأ حين تحتاج الجملة إلى احتواء، لحن يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، ليترك المساحة لصوت رنا سماحة كي يتوهج دون قيود، وهو ما يعكس وعيًا موسيقيًا عاليًا وقدرة على فهم طبيعة الصوت الذي يتعامل معه.
وعندما نصل إلى التوزيع الموسيقي، نجد أن تيام طارق لم يكتفِ بوضع إطار إيقاعي للأغنية، بل خلق عالمًا صوتيًا متكاملًا، حيث مزج بين الحداثة والروح الشرقية بطريقة دقيقة، دون أن يطغى عنصر على آخر، فالإيقاع جاء معاصرًا لكن دون أن يفقد الهوية، والتفاصيل الموسيقية جاءت محسوبة بعناية لتخدم الحالة العامة، لا لتستعرض نفسها، وهو ما جعل التوزيع عنصرًا أساسيًا في نجاح الأغنية وانتشارها بهذا الشكل الواسع.
وفي قلب هذا العالم الموسيقي، تبرز بصمات العازفين كأبطال حقيقيين للعمل، حيث قدم محمد مغربي على الجيتار أداءً مليئًا بالإحساس، عزف لا يقتصر على كونه خلفية موسيقية، بل يتحول إلى صوت آخر داخل الأغنية، يحاور صوت المطربة ويكمله، بينما أضاف سيكا على البيز جيتار عمقًا إيقاعيًا واضحًا، منح العمل ثباتًا وقوة داخلية، وجعل الإيقاع ينبض بحياة خاصة به، أما أحمد عشري، فقد أبدع في تقديم آلة السمسمية كعنصر مميز داخل الأغنية، حيث أضاف لمسة تراثية ذكية أعادت ربط العمل بجذوره الشرقية، ومنحته طابعًا خاصًا يميزه عن غيره من الأعمال المعاصرة.
وعلى مستوى الإخراج الصوتي، يأتي دور ماهر صلاح في الميكس والماستر كمرحلة حاسمة لا تقل أهمية عن باقي العناصر، حيث نجح في تحقيق توازن دقيق بين جميع المكونات، فكل آلة لها مساحتها، وكل صوت واضح دون تشويش، وكل تفصيلة مسموعة دون مبالغة، وهو ما يعكس احترافية عالية وفهمًا عميقًا لطبيعة العمل، ليخرج في النهاية بصيغة صوتية قادرة على المنافسة في أي سوق موسيقي عالمي.
أما الإنتاج الذي تولاه معتز رضا، فقد كان بمثابة المظلة التي احتضنت هذا المشروع بكل تفاصيله، حيث وفر بيئة إنتاجية تسمح بالإبداع دون قيود، ودعم كل عنصر من عناصر العمل ليظهر في أفضل صورة ممكنة، وهو ما يعكس رؤية إنتاجية واعية تدرك أن العمل الناجح لا يُبنى على عنصر واحد، بل على منظومة متكاملة من الجهد والتخطيط والتنفيذ.
وفي النهاية، تبقى رنا سماحة هي القلب النابض لهذا العمل، فهي التي جمعت هذه العناصر، وهي التي منحتها الحياة بصوتها وإحساسها، وهي التي استطاعت أن تحول كل هذا الجهد إلى لحظة فنية صادقة تصل إلى الجمهور وتبقى في ذاكرته، لتؤكد مرة أخرى أنها ليست مجرد مطربة، بل فنانة تملك رؤية، وتعرف كيف تصنع النجاح، وتدرك أن التريند الحقيقي لا يأتي من فراغ، بل من عمل حقيقي يشعر به الناس قبل أن يسمعوه.
وهكذا، تتحول "هختار حُبه" من مجرد أغنية إلى تجربة فنية متكاملة، ومن نجاح لحظي إلى علامة فارقة في مسيرة رنا سماحة، ومن عمل غنائي إلى شهادة حية على أن الفن حين يُصنع بإخلاص، يصل إلى القلوب دون استئذان، ويبقى فيها طويلًا دون أن يطلب ذلك.
التعليقات الأخيرة