الدكتور علي عبد العزيز… قراءة عميقة في أسرار الحكم الشرعي وفقه المواريث بين دقة الأصول وعدالة التشريع الإسلامي
الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في رحاب كلية الحقوق بجامعة المنصورة، حيث يتجدد الفقه الإسلامي في عقول الطلاب وتُشرح أدق المسائل الشرعية بروح أكاديمية راقية، يبرز اسم الدكتور علي عبد العزيز مدرس الشريعة الإسلامية بوصفه أحد الأساتذة الذين يجمعون بين عمق العلم وبساطة العرض، فهو لا يكتفي بنقل المعلومة بل يعيد صياغتها في صورة فهم حيّ يجعل الطالب يعيش داخل النص الشرعي لا خارجه، وفي هذا السياق تأتي هذه المادة العلمية التي كان قد تناولها بأسلوبه المميز، وقد تم تحويلها هنا إلى صيغة سؤال وجواب دون حذف أي مضمون مع الحفاظ على اللغة السليمة والدقة العلمية.
كيف عرّف الأصوليون الحكم الشرعي؟
عرف الأصوليون الحكم الشرعي بتعريفات كثيرة، لكن التعريف الذي عليه جمهور الأصوليين ومنهم الرازي والبيضاوي والإسنوي وغيرهم أنه: "خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا"، وزاد بعض الأصوليين منهم ابن الحاجب والطوفي والشوكاني على التعريف كلمة "أو وضعًا" ليشمل التعريف قسمي الحكم الشرعي وهما الحكم التكليفي والحكم الوضعي.
ما الفرق بين اصطلاح الأصوليين والفقهاء للحكم الشرعي؟
علماء الأصول نظروا إلى الحكم الشرعي من ناحية مصدره وهو الله تعالى، فالحكم صفة له لذا قالوا إن الحكم خطاب الله، أما الفقهاء فقد نظروا إلى الحكم من ناحية متعلقه وهو فعل المكلف لذا قالوا إن الحكم مدلول الخطاب وأثره.
ما معنى أن الحكم عند الأصوليين هو نفس النص الشرعي وعند الفقهاء هو الأثر؟
الحكم عند الأصوليين هو نفس النص الشرعي، أما عند الفقهاء فهو الأثر الذي يقتضيه ذلك النص، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ هو نفس الحكم عند الأصوليين، بينما حرمة قربان القتل التي يقتضيها هذا النص هي الحكم عند الفقهاء.
كيف شرح الأستاذ الدكتور عبد الوهاب خلاف هذا الفرق؟
يقول أستاذنا الدكتور عبد الوهاب خلاف رحمه الله: "فنفس النص الصادر من الشارع الدال على طلب أو تخيير أو وضع هو الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين وهذا يوافق اصطلاح القضائيين الآن فهم يريدون بالحكم نفس النص الذي يصدر من القاضي ولهذا يقولون: منطوق الحكم كذا ويقولون: أجلت القضية للنطق بالحكم، فالنص نفسه هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، ووجوب الإيفاء هو الحكم في اصطلاح الفقهاء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، وحرمة قربان الزنا هو الحكم في اصطلاح الفقهاء".
ما هي النكتة الفقهية في باب الربا؟
من النكت الفقهية في باب الربا أنه ذهب أحد الناس إلى أحد المرابين، وبينما هما في لحظة الاتفاق على سعر الفائدة حان وقت الأذان لصلاة الجمعة فقال المرابي للشخص الراغب في الاستدانة: هيا بنا نصلي وبعد الصلاة نكمل الاتفاق، وشاء القدر أن تكون خطبة الجمعة عن الربا ومصير المرابين والعذاب والصعوبات التي يجدونها في الدنيا والآخرة، وقد تأثر المرابي بهذه الخطبة لدرجة أن لحيته تبللت من شدة البكاء، فاستبشر المستدين خيرًا آملاً أن يقوم المرابي بإعطائه المال على سبيل السلف دون أي زيادة ربوية، وبمجرد الانتهاء من الصلاة ذهب الاثنان إلى مكتب المرابي وجلسا يستأنفان الاتفاق فقال المرابي للمستدين: أرجو عدم المفاصلة في سعر الفائدة هاأنت قد سمعت بأذنيك مقدار العذاب الذي ينالني يوم القيامة بسببك.
ما هي فلسفة علم المواريث في الشريعة الإسلامية؟
فقه المواريث علم المواريث له فقه خاص أو فلسفة خاصة في تشريعه، وقد تولى ربنا عز وجل تقسيم تركة الميت على ورثته وحدد لكل وارث نصيبًا مفروضًا ولم يترك سبحانه للورثة هذا التقسيم حسمًا لمادة النزاع بينهم، لكن بعض الناس لم يعجبهم هذا التقسيم واتهموا الإسلام بأنه ظلم المرأة في الميراث حينما أعطاها نصف نصيب الرجل، وهذا في الحقيقة جهل بعلم الميراث.
متى ترث المرأة نصف الرجل في الميراث وما حكم ذلك؟
فمن درس علم المواريث وفهم الحكمة من تشريعه علم أن المرأة لا ترث نصف نصيب الرجل إلا في الحالة التي تجتمع فيها المرأة مع الرجل في الجهة والدرجة والقوة وهي منحصرة في أربع حالات فقط: 1- الابن مع البنت، 2- ابن الابن مع بنت الابن، 3- الأخ الشقيق مع الأخت الشقيقة، 4- الأخ لأب مع الأخت لأب، وفي هذه الصور ترث المرأة نصف الرجل لأنهما في نفس الجهة ونفس درجة القرابة وفي نفس المركز القانوني، وذلك لأن الرجل يتحمل أعباء الحياة والإنفاق بينما المرأة لا تُكلف بذلك، وفيما عدا هذه الحالات فإن المرأة لا ترث نصف الرجل.
ما هي الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل تمامًا؟
الحالة الأولى: إذا ترك الميت بنتًا وأبًا فالبنت تأخذ نصف التركة والأب يأخذ الباقي تعصيبًا، وإذا ترك بنت ابن وجدًا فبنت الابن تأخذ نصف التركة والجد يأخذ الباقي، وإذا ترك ابنًا وأبًا وأمًا فالأب والأم لكل منهما السدس، وإذا ترك ابن ابن وجدًا وجدة فالجد والجدة لهما السدس، وإذا ترك بنتًا وابن ابن فالبنت لها نصف التركة وابن الابن الباقي، وإذا ترك أخًا لأم وأختًا لأم وعمًا فالأخ والأخت للأم لهما الثلث بالتساوي، وإذا ترك أختًا شقيقة وأخًا لأب فالأخت لها النصف والأخ له الباقي، وفي كل هذه الحالات ترث المرأة مثل الرجل تمامًا.
ما الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل؟
الحالة الثانية: إذا ترك بنتًا وأبًا وأمًا فالبنت لها نصف التركة وهو أكبر من نصيب الأب، وإذا ترك بنت ابن وجدًا وجدة فقد يزيد نصيب بنت الابن عن الجد، وإذا تركت بنت ابن وزوجًا وأبًا فقد يكون نصيبها أكبر من الجميع، وإذا ترك زوجًا وبنتًا فالبنت قد تأخذ أكثر، وإذا ترك أمًا وأختًا شقيقة وأخًا لأب فقد تكون حصة المرأة أكبر، وفي هذه الحالات ترث المرأة أكثر من الرجل.
ما الحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل؟
الحالة الثالثة: إذا ترك بنتًا وأخًا لأم فإن البنت تحجب الأخ للأم، وإذا ترك بنتًا وأختًا شقيقة وأخًا لأب فقد تحجب البنت الأخ، وإذا ترك بنت ابن وأختًا لأب وابن أخ شقيق فقد تحجب بعضهم، وفي هذه الصور ترث المرأة ويحجب الرجل.
ما الخلاصة الشرعية في مسألة الميراث؟
في كل تلك الصور نجد أن توزيع الميراث قائم على العدل الإلهي لا على المساواة الشكلية، وأن الشريعة الإسلامية لم تظلم المرأة كما يدعي البعض، بل أنصفتها في مواضع، وساوتها في مواضع، وفضلتها في مواضع أخرى، ففأين الظلم الذي يدعيه بعض الحاقدين على الشريعة الإسلامية الغراء الجاهلين بأحكامها العادلة، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تهلكوها.
التعليقات الأخيرة