news-details
تصريح

محمد غزال: رحيل الطبيب المصري ضياء العوضي في الخارج يكشف خللًا في التعامل مع الإبتكار

أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس إئتلاف الجبهة الوطنية الديمقراطية، أن واقعة رحيل الطبيب المصري ضياء العوضي إستشاري التغذية العلاجية في الخارج، والتي أعادت إلى الواجهة الجدل حول أفكار العلاج المستخلص من النباتات الطبيعية، تطرح سؤالًا بالغ الأهمية حول طبيعة تعامل المجتمع مع أصحاب الأفكار الجديدة والمختلفة، مشددًا على أن القضية تتجاوز شخصًا بعينه لتلامس بنية أعمق تتعلق بثقافة الاختلاف وآليات تقييم الابتكار.

وأوضح محمد غزال في تصريح أن الاختلاف مع أي باحث أو طبيب أمر طبيعي وصحي، بل هو أساس التقدم العلمي، لافتًا إلى أن من حق الدولة والمجتمع العلمي، بل من واجبهما، المطالبة بالدليل والتجارب السريرية والتحكيم العلمي وإثبات السلامة والفاعلية، باعتبارها المعايير الحاكمة لأي طرح طبي، مضيفاً أن هذه الضوابط لا تمثل عائقًا أمام الإبداع، وإنما هي الضمانة الحقيقية لحماية الإنسان ومنع تسرب أفكار غير مثبتة إلى المجال الطبي.

وحذر من أن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول النقاش العلمي إلى ساحة للسخرية أو التشهير أو الإقصاء الإداري المبكر، قبل إخضاع الفكرة للفحص العلمي الموضوعي، مؤكدًا أن هذا التحول يُفقد المجتمع توازنه بين حماية المواطنين ودعم الابتكار.

وأشار إلى أن الدول المتقدمة لا تُقدّس الأفكار الجديدة، لكنها أيضًا لا تُجهضها، بل تعتمد على منظومات تنظيمية واضحة تشمل لجانًا مستقلة ومراكز أبحاث وتمويلًا واختبارات دقيقة، حيث تُمنح الفكرة حقها الكامل في التقييم، فتُحتضن إذا نجحت وتُرفض بأدلة علمية إذا لم تثبت جدواها، دون تحويل صاحبها إلى متهم قبل التحقق من طرحه.

وفي هذا السياق، لفت إلى أن العديد من العقول المصرية البارزة حققت إنجازاتها الكبرى في الخارج مثل جراح القلب العالمي، والعالم، والدكتور، مؤكدًا أن هذه النماذج تعكس أن المشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في البيئة التي تحتضنها وتدعمها.

كما أشار إلى أن المجال الطبي داخل مصر شهد محاولات جادة لتطوير أساليب علاجية وجراحية، إلا أن بعض هذه المحاولات اصطدمت أحيانًا بالبيروقراطية، مستشهدًا بتجربة إستشاري التغذية العلاجية، التي شهدت جدلًا واسعًا قبل أن تُحسم قضائيًا ويعود إلى عمله، ما يبرز الحاجة إلى الفصل بين التقييم العلمي وأي اعتبارات أخرى.

وأكد علي أن جوهر القضية لا يتمثل في تصديق كل طرح جديد أو رفضه، وإنما في بناء آلية عادلة تضمن إختبار الأفكار علميًا قبل إصدار الأحكام عليها، مشددًا على أن العقل المتميز يحتاج إلى بيئة تحميه وتُخضعه في الوقت ذاته لمعايير واضحة، بحيث يكون النقد علميًا لا شخصيًا، والتقييم موضوعيًا لا انفعاليًا.

وتساءل: لماذا يتحول الإختلاف العلمي أو المهني أحيانًا إلى صدام شخصي أو إداري؟ ولماذا لا تكون المرجعية الأولى دائمًا للجان العلمية المتخصصة بدلًا من الانزلاق إلى التشهير أو الإتهامات المتسرعة؟

وشدد على أن المسؤولية الحقيقية تقع على أي منظومة تُعطل الكفاءات أو تُقصي المجتهدين أو تسمح بتحويل المنافسة المهنية إلى معارك شخصية، مؤكدًا أن الأمم لا تتقدم إلا حين تُقيّم بالعلم لا بالأهواء، وتُحاسب بالمعايير لا بالانطباعات.

وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي ليس في تقييم حالة فردية، وإنما في مراجعة منهج كامل في التعامل مع الابتكار، قائلًا: إن نحن لسنا مطالبين بأن نصدق كل جديد، ولا أن نرفضه، بل أن نمتلك آلية عادلة: إذا ظهر مبتكر يُختبر علميًا، إذا أخطأ يُرفض بالدليل، وإذا نجح يُدعم قبل أن يخطفه الخارج، مضيفاً أن رحيل الطبيب، سواء أتفقنا معه أو أختلفنا، يجب أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا: كم عقلًا خسرناه لأننا قدّمنا الهجوم على الحوار، والاتهام على الإنصاف؟ وكم فكرة كان يمكن أن تُحدث فرقًا لو وُضعت في المسار العلمي الصحيح؟ إن المجتمعات التي لا تتعلم من خسارة علمائها، تظل تُكرر المأساة، بينما تلك التي تحمي عقولها هي وحدها القادرة على بناء مستقبل مختلف.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا