news-details
مقالات

إفراد الله عز وجل بالعبادة

بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أنه لا أحد في الوجود أحب إليه المدح من الله سبحانه وتعالى، ولذلك أثنى على نفسه عز وجل، ولقد أوضحت الشريعة الإسلامية أن أصل التفاضل بين الناس إنما هو بمعرفة الله تعالي ومحبته والثناء عليه، ومن عرف الله تعالي وقلبه سليم أحبه وعظمه، وكلما إزداد له معرفة إزداد له طاعة، والذنوب تضعف تعظيم الله تعالى ووقاره، ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد ما تجرأ أحد على معاصيه، وكل معصية فمن الجهل بالله عز وجل، وإجلال الله يعظم بالطاعات، وإن أعظم عبادة يتقرب بها العبد من ربه هي إفراده بالعبادة، فلا يسأل إلا هو، ولا يستغيث إلا به، ولا تصرف أي عبادة إلا له وحده، ومن عبد مع الله غيره فما قدر الله حق قدره، وظلم نفسه بالوقوع في الشرك، ومن هداه الله لتعظيم الرب وإفراده بالعبادة وجب عليه أن يدعو غيره إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه، ولقد فقدت عظمة الله في نفوس بعض المسلمين اليوم. 




وعظم في نفوسهم قدر قوى الأرض البشرية حين رأوا منجزات الحضارة المادية ونتاجها العلمي من هندسة الصفات الوراثية إلى الإستنساخ إلى الصواريخ العابرة للقارات إلى حرب النجوم وضروب المدافع والقنابل، وهذا التطور السريع، والنمو الكبير في آليات التقدم المادي، جعل فئاما من الخلق يصابون بالإنبهار، وتتسرب إلى دواخلهم الرهبة والهلع وتضطرب نفوسهم وتهزم عزائمهم، وهذا يحطم المجتمعات ويزلزل بنيانها ويحولها إلى مجتمعات حزينة منكسرة، يائسة ضائعة وحري بالمسلمين حين تهزهم عظمة البشر إستحضار عظمة خالق البشر سبحانه وتعالي الذي يدبر الأمر ويأمر وينهي ويخلق ويرزق ويميت ويحيي، ويداول الأيام بين الناس ويقلب الدول، فيسحب بدولة ويأتي بأخرى، وإعلموا أن تعظيم الله عز وجل من أجلّ العبادات القلبية.




وأهم أعمال القلوب التي يتعين ترقيقها وتزكية النفوس بها، لاسيما وأنه ظهر في زماننا ما يخالف تعظيم الله تعالى من الإستخفاف والإستهزاء بشعائر الله تعالى، والتطاول على الثوابت والتسفيه والإزدراء لدين الله، مع ما أصاب الأمة من وهن وخور وهزيمة نفسية، وإن الإيمان بالله تعالي مبني على التعظيم والإجلال له عز وجل، ومنزلة التعظيم تابعة للمعرفة فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب سبحانه وتعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالا، وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته فقال تعالي " ما لكم لا ترجون لله وقارا " وقال المفسرون "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته" وتعظيم الله وإجلاله لا يتحقق إلا بإثبات الصفات له كما يليق به سبحانه، حيث أن روح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت، ولقد كان نبينا المصطفي صلي الله عليه وسلم يدرك ذلك. 



فيربي أمته على وجوب تعظيم الله تعالي، وإن الله سبحانه وتعالى هو الكريم العظيم الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، أجلّ وأعلى، هو وحده الخالق لهذا العالم، لا يقع شيء في الكون من حركة أو سكون أو رفع أو خفض أو عز أو ذل، أو عطاء أو منع، إلا بإذنه سبحانه وتعالى، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا يمانع ولا يغالب، ولما قال الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم " فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويحك أتدري ما تقول؟" وسبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال "ويحك، أنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك" وعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب سبحانه وتعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم لله تعظيما وإجلالا، تأمل آيات الله وإعجازه في الكون في كتاب مقروء، وصفحات مشرقة منظورة.




ليمتلئ قلبك إجلالا وعظمة لله سبحانه تجد أمامك نافذة واسعة سعة الكون كله، إعجاز باهر، وآيات كريمة قد كتبت بحروف كبيرة واضحة على صفحات الكون كله، فانظر إلى الشمس والقمر يدوران، والليل والنهار يتقلبان بل انظر إلى تكوين نفسك، وتركيب جسمك، من ذا الذي جعله بهذا التركيب وهذا النظام العجيب، وفكر في النبات والشجر والفاكهة والثمر، وفي البحر والنهر، إذا طاف عقلك في الكائنات ونظرك في الأرض والسموات رأيت على صفحاتها قدرة الله وإمتلأ قلبك بالإيمان بالله، وانطلق لسانك بلا إله إلا الله، وخضعت مشاعرك لسلطان الله، فماذا نفعل لو لم تطلع الشمس؟ وماذا نفعل إذا غاب القمر ولم يظهر؟ وكيف نعيش، وكيف نزرع، وكيف نأكل وكيف نتعلم ونعلم غيرنا؟ 




فإن من تفكر في ذلك خاف الله تعالى لا محالة لأن الفكر يوقعه على صفات جلال الله وكبريائه، فهو سبحانه العزيز الكريم المتعال، الواحد القهار، وهو سبحانه القهار الذي قهر كل شيء وغلبه، والذي لا يطاق انتقامه، مذل الجبابرة قاسم ظهور الملوك والأكاسرة، وهو سبحانه القوي الذي تتصاغر كل قوة أمام قوته، ويتضاءل كل عظيم أمام ذكر عظمته، ولأجل شهود صفات عظمته سبحانه وجلت قلوب المؤمنين لمجرد ذكره تعالى.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا