أخبار عاجلة
news-details
مقالات

العراق في فخ التدوير: خديعة الدستور واقتصاديات الأحزاب بقلم/عدنان صگر الخليفه رئيس إتحاد القبائل العراقية (30 نيسان 2026)

العراق في فخ التدوير: خديعة الدستور واقتصاديات الأحزاب

بقلم/عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية (30 نيسان 2026)

​تُجسد التجربة السياسية العراقية، وصولاً إلى محطة عام 2026، مفارقةً تراجيدية تعكس عمق الفجوة بين طموحات شعبٍ ثائر وبين سلطةٍ أتقنت فن الالتفاف على الإرادات الوطنية عبر هندسة القوانين والولاءات. إن ما أفرزته الانتخابات الأخيرة لم يكن تعبيراً عن رغبة الناخبين بقدر ما كان عملية إعادة تدوير مُحكمة للمنظومة ذاتها، حيث استُخدمت الموازنات الانفجارية التي ناهزت مئات المليارات من الدولارات كأدوات للدعاية الانتخابية وشراء الولاءات، بينما بقيت المنجزات الحقيقية رهينة ديون المقاولين المحليين الذين نُفذت المشاريع على أكتافهم دون منحهم استحقاقاتهم المالية، ليتحول "الإعمار" إلى واجهة بصرية تخفي خلفها خزانة منهكة واقتصاداً يُدار بعقلية الكارتيلات.
​لقد برزت في هذا المشهد خديعة كبرى قوامها "المعارضة الموسمية" وشخصيات "الظل" التي تظهر قبيل الاستحقاقات الانتخابية لترتدي ثوب التغيير، وهي في جوهرها ليست إلا أدوات اقتصادية وإدارية تابعة للأحزاب المتنفذة، أُعدت لتكون حارساً لمصالحها بعد عبور المدد الدستورية وتجاوز إرادة الصناديق. إن الإمعان في تكليف شخصيات لم تخض غمار التنافس الشعبي، بل جاءت من أروقة التوافقات والصفقات المالية، يمثل جريمةً سياسية بحق الشعب الذي غُيبت إرادته، لاسيما وأن بعض هذه الشخصيات مثقلة بشبهات فساد وعقوبات دولية، مما يجعل وجودها في سدة الحكم ضمانة لبقاء الاقتصاديات الحزبية لا لخدمة السيادة الوطنية.
​إن أصل العلة يكمن في الدستور والقوانين التي وُضعت لتكون دروعاً تحمي الفاسدين، وفي التحالف غير المقدس بين السلطة والمؤسسات القبلية والدينية والنخبوية التي تعمل كصمامات أمان للنظام عبر تخدير المجتمع بشعارات المظلومية والدفاع عن المكون. هذا التخندق الطائفي المفتعل هو الذي يسمح للأحزاب بالبقاء، حيث يُساق الناخب تحت ضغط الحاجة أو الخوف ليصيد "مكاسب آنية" تافهة، مضيعاً بذلك "مستقبل المستقبل" وحقوق الأجيال. لذا، فإن الخلاص لن يتحقق إلا بوعي شعبي ينقلب على هذه الثقافة الاستهلاكية، ويفرض قوانين انتخابية جذرية تقوم على "الدائرة الواحدة" والقوائم الوطنية العابرة للمكونات، بما يتيح الانتخاب المباشر لرأس السلطة بعيداً عن كواليس التوافق، ليكون الممثل الحقيقي نابعاً من صلب الشعب وليس مديراً مفوضاً لحماية خزائن الأحزاب. إن الحقيقة الماثلة وضوح الشمس في أزقة العراق اليوم هي أن الاستمرار في نهج "التخدير السياسي" والقبول بالوجوه التي تأتي من العدم هو انتحار جماعي، وأن الوقت قد حان ليتقي الجميع الله في وطنٍ استنزفت ثرواته قوانين جائرة وإرادات مرتهنة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا