زلزال الترامبية وولادة عالم تحت الأنقاض وانتحار المظلات القديمة
كتبت /منى منصور السيد
في قراءة فاحصة لما طرحه معالي اللواء دكتور سمير فرج في مقاله الأسبوعي الأحدث، نجد أنفسنا أمام رؤية استراتيجية تضع اليد على جرح التحولات الكبرى التي يمر بها كوكبنا. يبدو أن التاريخ قد اختار منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى لتكون المختبر الذي تُصاغ فيه ملامح "العالم الجديد"، حيث لم تعد الأحداث مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل هي زلازل جيوسياسية أعادت تعريف مفهوم التحالفات التقليدية. إن التأمل في المشهد الراهن، انطلاقاً من التحليل العميق الذي قدمه اللواء سمير فرج، يفرض علينا الإقرار بأن الحقبة "الترامبية" لم تكن مجرد رئاسة عابرة، بل كانت نقطة انطلاق لنهج دولي وضع "المصلحة القومية الفجة" فوق الالتزامات التاريخية، مما دفع حلفاء الأمس، وتحديداً في القارة الأوروبية، إلى الشعور بـ "اليتم الاستراتيجي" بعد عقود من الاحتماء تحت المظلة النووية الأمريكية. هذا الانكشاف دفع دولاً ثقيلة مثل ألمانيا وإيطاليا إلى التفكير في كسر المحرمات العسكرية والسعي لامتلاك ركائز القوة النووية أو تدشين جيش أوروبي موحد، وهو ما يمثل الإعلان الفعلي عن وفاة "المركزية الأطلسية" وبداية عصر تتعدد فيه الأقطاب والقوى المسلحة ذاتياً.
وعلى وقع أصوات المدافع في "حرب الأربعين يوماً" التي تناولها مقال اللواء سمير فرج، تبلورت حقيقة عسكرية جديدة تثبت أن السيطرة على الأرض لم تعد كافية دون تأمين الممرات المائية الحاكمة، حيث تحول مضيق هرمز من مجرد ممر تجاري إلى ورقة ضغط استراتيجي قادرة على إحداث انشقاقات داخل أكبر الأحلاف العسكرية كـ "الناتو". إن التردد الأوروبي في الانخراط بالصراعات الأمريكية الشرق أوسطية لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان تعبيراً عن رغبة في حماية الأمن القومي القاري من الانجرار وراء مغامرات لا تخدم مصالح أوروبا المباشرة. وفي المقابل، نجد أن التناقضات داخل هيكل السلطة الإيرانية، وصراع الإرادات بين الدبلوماسية الرسمية والقبضة العسكرية للحرس الثوري، قد كشفت عن أزمة قيادة حادة جعلت من "اللايقين" هو السمة الغالبة على المشهد الإقليمي، خاصة في ظل ضبابية الوضع الصحي والسياسي للقيادة العليا في طهران، مما يضع العالم أمام تساؤل جوهري حول هوية الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة والقرار في لحظات التأزم القصوى.
وفي ظل هذا التحلل في المنظومة الأمنية الدولية، تبرز الرؤية المصرية التي استعرضها اللواء سمير فرج كطوق نجاة إقليمي وقراءة استباقية لما آلت إليه الأمور، حيث يتأكد يوماً بعد آخر أن فكرة "الجيش العربي الموحد" التي طرحها الرئيس السيسي لم تكن ترفاً سياسياً بل كانت ضرورة وجودية فرضتها التحولات الراهنة. إن الرهان على الحماية الأجنبية الدائمة أثبت هشاشته أمام تقلبات الإدارات في واشنطن، مما يفرض على القوى العربية صياغة أمن قومي يعتمد على الذات الجماعية والتعامل مع إيران، ليس فقط كقوة عسكرية منهكة من الضربات، بل ككيان يمتلك قدرة فائقة على التعافي السريع بفضل مواردها المالية والنفطية. إننا أمام واقع تاريخي يكتب فصوله بالحديد والنار، واقع يخبرنا بوضوح أن العالم الذي عرفناه قبل سنوات قد ولى بلا رجعة، وأن البقاء في المرحلة القادمة سيكون لمن يمتلك القدرة على قراءة المتغيرات وبناء التحالفات المرنة التي تتجاوز التبعية التقليدية، ليرسم في النهاية خارطة قوى جديدة لا مكان فيها لمن ينتظر الحماية من وراء البحار.
التعليقات الأخيرة