من نحن حقّا…؟
بقلم : معز ماني . تونس . ليس السؤال هنا استفهاما بريئا بقدر ما هو مرآة مرعبة، تجبرنا على النظر لا إلى ما نقول إننا عليه، بل إلى ما نفعله حين تنطفئ الخطب وتغلق الميكروفونات . وليس هذا السؤال تمرينا لغويا في الهويّة، بل هو تشخيص قاس لواقع يزداد فيه التباعد بين ما نعلنه عن أنفسنا وما نعيشه فعليا، حتى تبدو بعض المجتمعات وكأنها تتقن فنّ بناء صورة مثالية في الخطاب، مقابل واقع يوميّ أكثر تعقيدا وتناقضا . إن الحديث عن المجتمعات العربية هنا، لا يقدّم بوصفه حكما شموليا مغلقا، بل محاولة تفكيك لظواهر اجتماعية متكررة في عدد من السياقات، حيث تتجاور الشعارات القيمية مع ممارسات تناقضها في تفاصيل الحياة اليومية. 1. التعليم بوصفه إعادة إنتاج لا إنتاج معرفة . في كثير من الأنظمة التعليمية التقليدية، ما يزال النموذج السائد أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ "التعليم التلقيني" أكثر منه تعليما قائما على التفكير النقدي. الطالب يكافأ على القدرة على الاسترجاع لا على الفهم، وعلى إعادة صياغة المقرر لا مساءلته،وهنا تتشكل مفارقة لافتة،مجتمعات تعلن رغبتها في "التقدم"، لكنها تبقي أدوات إنتاج العقل كما هي تقريبا منذ عقود، مما يخلق فجوة بين طموح الحداثة وآليات تعليم أقرب إلى منطق ما قبل الحداثة. 2. التربية بين الخطاب والممارسة . على مستوى الأسرة، يظهر نمط آخر من التناقض،القيم تقدّم بشكل مكثف في الخطاب اليومي: الصدق، الاحترام، الأمانة... لكن تمثّلها في الواقع يتفاوت بشدة.والأخطر في هذا السياق ليس غياب القيم، بل ازدواجية نقلها،فالطفل يتلقى خطابا مثاليّا، بينما يلاحظ في الممارسة اليومية سلوكا أكثر تعقيدا، أحيانا متناقضا مع ذلك الخطاب نفسه.وهكذا لا تنتج التربية انسجاما، بل تنتج وعيا مبكّرا بالفجوة بين القول والفعل. 3. المجتمع بوصفه نظاما من التناقضات اليومية . في الحياة العامة، تتجلى ظواهر اجتماعية معقدة، ضعف احترام القوانين في بعض السياقات، انتشار سلوكيات الغش في مجالات مختلفة، وتراجع الثقة بين الأفراد في عدد من البيئات. هذه الظواهر لا تفسّر بعامل واحد، بل تتداخل فيها البنية الاقتصادية، وضعف المؤسسات، والثقافة الاجتماعية، وتراكمات تاريخية طويلة. لكن المفارقة اللافتة هي استمرار إنتاج خطاب أخلاقي مرتفع النبرة، في مقابل ممارسات يومية لا تعكس دائمًا هذا الخطاب. 4. التدين بوصفه هوية خطابية أحيانا . من أكثر النقاط حساسية في هذا السياق هو التباين بين الهوية المعلنة والسلوك العملي. فبعض المجتمعات تعرّف نفسها بقوة عبر الانتماء الديني، لكن هذا الانتماء يتحول أحيانا إلى خطاب هوياتي أكثر منه منظومة سلوك أخلاقي فعلي.والأخلاق هنا ليست شعارا، بل سلوكا في المعاملة، في الصدق، في العدالة، في احترام الإنسان. وعندما ينفصل الخطاب عن الممارسة، تتحول القيم إلى رموز اجتماعية، لا إلى قوة تنظيم للسلوك. 5. الأسرة والتفكك الصامت . رغم استمرار صورة الأسرة المتماسكة في الخطاب العام، إلا أن الواقع في بعض الحالات يشير إلى ضغوط متزايدة، اقتصادية، نفسية، وتواصلية. هذه الضغوط تؤدي أحيانا إلى ضعف في الحوار بين الأجيال، وتراجع في الروابط العاطفية، دون أن يعني ذلك انهيارا شاملا بقدر ما يعني تحوّلا في شكل العلاقة الأسرية . 6 . السخرية غير المعلنة للواقع . المفارقة الأعمق في هذا المشهد أن المجتمعات المعنية غالبا ما تمتلك خطابا نقديا عاليا عن نفسها، لكنها تجد صعوبة في تحويل هذا النقد إلى إصلاحات بنيوية مستمرة.وهنا تتولد سخرية الواقع نفسه،مجتمعات تكثر من الحديث عن "الأخلاق"، بينما تعاني من أزمة ثقة،وتتحدث عن "الاستقامة"، بينما تواجه تحديات في الممارسة اليومية للقيم التي تدعو إليها. 7. من نحن حقّا ؟ لسنا أمام سؤال يبحث عن إجابة نهائية، بل أمام مرآة تُجبرنا على رؤية التعدد داخلنا،بين المثال والواقع، بين الخطاب والممارسة، بين ما نطمح إليه وما ننجزه فعليّا. إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الفقر أو التخلف في حد ذاته، بل الاستقرار داخل التناقض دون محاولة واعية لفهمه أو تجاوزه.وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يظل من نحن؟،بل يتحول إلى سؤال أكثر دقة وإزعاجا،كيف يمكن لمجتمع أن يستمر في الإيمان بقيمه، بينما يواجه صعوبة في تجسيدها ؟ نحن لسنا صورة واحدة ثابتة، بل طبقات متراكبة من التناقض:نريد مجتمعا أفضل، لكننا نعيد إنتاج نفس العادات.نرفع شعارات عالية، لكننا نتعثر في التفاصيل الصغيرة.نؤمن بالقيم، لكنّنا نفاوض عليها حين يصبح تطبيقها مكلفا.ونتيجةلذلك، أصبح الفرق كبيرا إلى هذا الحد بين ما نعرفه، وما نفعله .
التعليقات الأخيرة