صفة من أعظم صفات الصالحين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
قيل أنه كتب القائد الهمام سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق، زمن خلافة أبي بكر الصديق، فقال فيه أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة، أو كان غنيّا، فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، وكتب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى عدي بن أرطاة وهو أمير البصرة، انظر من عندك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب، فأجري عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال "ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك.
ثم ضيعناك في كبرك" قال ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه، وكما قال الإمام ابن تيمية رحمه الله أنه خاطبت قازان وهو ملك التتار في إطلاق الأسرى، فسمح بإطلاق الأسرى المسلمين، ثم قال قازان معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله، وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى، يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا خاتم المرسلين صلي الله عليه وسلم حيث قال في آخر حياته " الصلاة وما ملكت أيمانكم" وحيث قال الله تعالى في كتابه " ويطعمون الطعام علي حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" وكما أن صلة الرحم صفة من أعظم صفات الصالحين، وخلق من أنبل أخلاق المتقين.
تخلق بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه وزادها بعد أن بُعث بالرسالة تعظيما وتشريفا، هي من أزكى الصفات، وتركها موجب للحسرة والندامة وعاجل العقوبة في الدنيا، مع ما توعد به تاركها من الوعيد الشديد في الآخرة، والعمل بهذه الصفة والحرص عليها يطيل الأعمار، ويبارك في الأرزاق، ويملأ الحياة سعادة وهناء، ويعطر الذكرى بعد مفارقة الدنيا بحسن الثناء، وخالص الدعاء فعل هذه الصفة رفعة، والتخلق بها منقبة، تملأ قلوب الناس لك حبا، وتزيدك من مولاك قربا إنها صلة الأرحام، والأرحام هم من لك بهم صلة قرابة من جهة الأب أو الأم، وأعظمهم حقا الوالدان، ونذكر ذلك لأن البعض يخلط بين الأرحام والأصهار، على أن لكل حقوقَه إلا أن الأرحام حقهم أعظم بكثير من حق الأصهار، وإعلموا يا عباد الله أن صلة الأرحام وقضاء حوائج الناس له فضل عظيم، وهو من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى.
ليرفع رصيده من الحسنات، وينال مرضاة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإن قضاء حوائج الناس ينشر المحبة بين أفراد المجتمع، ويؤلف بين قلوب الناس، فإن قضاء حوائج الناس وصية رب العالمين، حيث قال تعالي " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" وفي قوله تعالي " وافعلوا الخير" قال عبدالله بن عباس بصلة الرحم ومكارم الأخلاق، وفي قوله تعالي " لعلكم تفلحون" أي لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة، وإن قضاء حوائج الناس المشروعة من أفضل وسائل فعل الخير، وكما أن قضاء حوائج الناس سبيل الحسنات، ولقد حثنا الله تعالى على السعي في قضاء حوائج الناس لأن ذلك من وسائل التقرب إلى الله تعالى والحصول على الحسنات، حيث قال الله تعالي " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفر الله إن الله غفور رحيم" وقد قال الإمام الطبري رحمه الله.
ما تقدموا أيها المؤمنون لأنفسكم في دار الدنيا من صدقة أو نفقة تنفقونها في سبيل الله، أو غير ذلك من نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صيام أو حج، أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله تعالي تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم هو خيرا لكم مما قدمتم في الدنيا، وأعظم منه ثوابا أي ثوابه أعظم من ذلك الذي قدمتموه لو لم تكونوا قدمتموه.
التعليقات الأخيرة