لو لم يكن للأمة إمام قاهر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أنه لو لم يكن للأمة إمام قاهر، لتعطلت المحاريب والمنابر، وانقطعت السبل للوارد والصادر، ولو خلي عصر من إمام، لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يحج البيت الحرام، لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة، لما نكحت الأيامى، ولا كفلت اليتامى، ولولا السلطان، لكان الناس فوضى، ولأكل بعضهم بعضا، وكان الفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان، وقال الفضيل بن عياض لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان، قيل له يا أبا علي فسر لنا هذا؟ قال إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين.
وقال بعض السلف إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى، وقال الإمام الطحاوي الحنفي ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله تعالى فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وقال بعض العلماء وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد وهذا غلط فاحش وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا.
وإن الحق لا يتبعه إلا من نوّر الله تعالي قلبه وهداه للإيمان، وعرف طريق السلف، وأئمة الدين، فيقول الشيخ الشعراوي في تفسير آية " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء" وساعة أن تجد ملك عضوضا أي شديد في ظلمه إياك أن تظن أن هذا الملك العضوض قد أخذ ملكه دون إرادة الله, لا بل هو عطاء من الله, ولو أن المملوك راعي الله في كل أموره لرقق عليه قلب مالكه ولذلك يقول لنا في حديثه القدسي"أنا الله ملك الملوك ونواصيها بيدي فإذا العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإذا هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تنشغلوا بسب الملوك ولكن أطيعوني أعطفهم عليكم" فإن الوطن هو الأرض التي تربينا في عشنا فيها حياتنا، هو الشمس التي تضيء لنا حياتنا، وتنير بقمرها ليالينا، هو الماء الذي نشربه، هو البيوت التي توفر لنا الأمان، هو الهواء الذي يدخل رئتنا لنستنشقه، هي الطرقات التي نسير بها يوميا.
والمدارس التي تعلمنا فيها، وأماكن العبادة التي نتقرب منها إلى الله، هو أموالنا وأهلينا وجيراننا واصحبانا، والعالم الذي نشأنا بداخله، هو حاضرنا ومستقبلنا، كل شبر منه يحكي حكايات مختلفة عن حب الانتماء، وعشق له مختلفة سواء من الماضي أو الحاضر، فالوطن هو شجرة كبيرة طيبة لها العديد من الفروع التي لا تنمو إلا بتضحيات والحب والعرق، فمن مات دفاعا عن الوطن يكون له منزلة كبيرة في الجنة، فالوطن هو الشيء الأغلى في حياتنا فهو العادات والتقاليد والأشياء الجميلة، هو الدفي والأمان التي تشعر به كلما تقدمت بالعمر، هو الحب الذي لا يكون فقط كلمات تكتب على الورق أو على الجدران، أو خطب تقال في منابر أو في الجامعات، أو قصائد الشعراء بل هو حالة كبيرة تعيشها يوميا، فحب الوطن أكبر بكثير من أن نحصره ونتحدث عن فقط، بل هو واجب وتفاني قد يصل إلى التضحية والموت من أجله.
فحب دون أنتظار، تضحية بدون مقابل، هو التفوق ونجاح وهو القدرة على رفع شعاره والفخر به في كافة المجتمعات الأخرى، وذلك يتم عن طريق الوصول إلى أحلامك وطموحاتك عن النجاح والتفوق، وإعادة كل ذلك على الوطن بالنفع والمصلحة في التطوير والبناء، فلابد أن نتلاحم ونتحد حتي ننشأ وطن صامد وقوي ضد أي هجوم خارجي أو التصدي لأي نزاعات داخلية، لان العدو يهجم على الضعيف، لذلك لابد أن نكون دائما الأقوى حبنا لوطننا ودائما تكون مصلحته هي كل ما هم، وأن نتخذ من قدوتينا وحبيبنا محمد صلي الله عليه وسلم حينما قال عن مكة المكرمة "لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت" فهذا ينم عن الحب والانتماء للمكان الذي يسمي وطن.
التعليقات الأخيرة