تفكيك الراديكالية السياسية: دراسة في سيكولوجية المظلومية وآليات بناء دولة المواطنة
إعداد/عدنان صگر الخليفه
المقدمة:
تُشخَّص الأزمات البنيوية التي تعصف بالمجتمعات العربية، وفي الطليعة منها المشهد العراقي، بوصفها نتاجاً لتصادم سرديات تاريخية وأيديولوجية عابرة للحدود، تغلغلت في الوجدان الجمعي واستحالت عائقاً أمام انبثاق الدولة الوطنية الحديثة. تسعى هذه الدراسة إلى تشريح بنية الخطاب السياسي المعاصر الذي يقتات على ثنائية "الفعل ورد الفعل"، وكشف الآليات التي تُوظَّف من خلالها المظلوميات التاريخية كأدوات للهيمنة السياسية وإدامة الصراع. إن الغاية الجوهرية لهذه القراءة تتمثل في تقديم مقاربة موضوعية تجترح مساراً فكرياً يقدّم "أحقية المجتمع" بتقرير مصيره على "الاستحقاقات الفئوية"، مستندةً في ذلك إلى نقدٍ صريح لمغالطات النخب والجماهير على حد سواء، وصولاً إلى صياغة حلول جذرية ترتكز على استعادة الوعي المجتمعي والإصلاح القانوني الهيكلي.
المحور الأول: جدلية الفعل ورد الفعل وتزييف الوعي الاستراتيجي
أ- تنبثق السرديات السياسية السائدة من منطلقات أيديولوجية راديكالية، تعمل على تطويع المعطيات الجيوسياسية لخدمة متخيلات عاطفية، سواء تحت مسمى "الأمة الشاملة" أو "المظلومية الوجودية". ومن خلال استقراء الاشتباك الفكري بين الأطروحات المثالية والردود الواقعية، يتضح أن كلاً منهما يسعى لتأطير "الآخر" في خانة العدو التاريخي السرمدي، مما يعطل العقل الاستراتيجي عن إدراك المصالح المتبادلة ويقوض فرص العيش المشترك القائم على احترام سيادة الدولة.
ب- يمارس الخطاب السياسي السائد نوعاً من "الاستلاب الجيوسياسي" لوعي الشعوب، عبر تصوير الصراعات السياسية كحروب عقائدية لا تقبل القسمة، مما يحيل الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية. إن هذا المنهج يجعل من "العداء الوجودي" خياراً صفرياً يتصدر المشهد عند كل منعطف، بدلاً من اجتراح سياسات واقعية تنظر إلى الجوار الجغرافي كحقيقة ثابتة تتطلب توازناً يحمي كيان الدولة من التفتت.
المحور الثاني: التوظيف السياسي للتاريخ وأزمة الشرعية
أ- تبرز "الشرعية التاريخية" كواحدة من أعقد عوائق بناء الدولة؛ إذ يتم استدعاء صراعات القرن الهجري الأول كمرجعية لمحاكمة كفاءة الحكم في العصر الراهن. إن هذا الارتباط القسري بين "دكة الحكم" واستحقاقات رمزية مسلوبة عبر التاريخ يحيل السلطة من "عقد اجتماعي مدني" إلى "فعل جبر تاريخي"، مما يفرغ المؤسسات من محتواها الوظيفي ويجعلها مجرد أدوات لإثبات أحقية مذهبية متخيلة.
ب- يعاني العقل الجمعي من ازدواجية حادة في المعايير السياسية؛ حيث يُنظر إلى "الإرث الإمبراطوري" كحصانة دائمية، بينما تُقذف الطموحات السياسية الأخرى بتهم البراغماتية أو التبعية. إن هذا الاصطدام بين "عقلية المليار" و"عقلية المظلومية" يخلق واقعاً يتسابق فيه الجميع ليكونوا "وارثين" لتركة الماضي، بدلاً من كونه صُناعاً لمستقبل يرتكز على المواطنة المتساوية.
المحور الثالث: تشريح السلوك المجتمعي والمغالطة الانتخابية
أ- يقع المجتمع في شِراك "النفاق السياسي" نتيجة انفصامٍ حاد في الشخصية السياسية للناخب؛ ففي لحظة الاقتراع، تستسلم الإرادة لسطوة "الهويات الفرعية" من قبيلة وطائفة، بدافع الخوف أو الولاء الموهوم. بيد أنه وفي مرحلة ما بعد النتائج، يستفيق الوعي "المطلبي" للبحث عن الخدمات والعدالة، متجاهلاً حقيقة أن "الهوية الفرعية" لا يمكنها إنتاج "دولة وطنية". هذا الانفصام يمنح النخب الراديكالية فرصة مستمرة لتدوير الوجوه تحت مسميات "التجديد" الزائفة.
ب- تظل "المظلومية الراسخة" في النفوس هي الوقود الحيوي الذي يستثمره السياسي الطائفي لضمان الولاء وقت الأزمات. وفي ظل تغليب المصالح الحزبية الضيقة والنفوذ الاقتصادي الفئوي على حقوق المجتمع، يجد المواطن نفسه ضحية لمغالطة ذاتية؛ إذ يؤيد في وقت الانتخابات بدافع العاطفة، ثم ينكر مسؤوليته عن إنتاج السلطة الفاشلة عند المطالبة بالحقوق، مما يكرر الدائرة المفرغة للفساد والارتهان.
المحور الرابع: الأزمات الإقليمية بوصفها مختبراً للمعادن السياسية
أ- تمثل الأزمات والتحولات الكبرى في المنطقة "محرقة للمواقف" تكشف حقيقة الانتماءات؛ فعند اشتعال فتيل الصراع، يتهاوى خطاب الوطنية المصطنع لتبرز الراديكالية الكامنة، حيث يُستبدل الحوار بسلاح "التخوين" وتُقسّم المجتمعات وفقاً لتموضعها من الأجندات الخارجية. هذا الواقع يثبت أن "الوطنية" لدى الكثير من النخب هي مجرد تكتيك سياسي يزول بانتفاء الحاجة إليه.
ب- يعكس المشهد الحالي غياباً تاماً لقيادة وطنية تمتلك القدرة على تثبيت المجتمع على "جادة التماسك" بعيداً عن الاستقطاب. إن تحويل المجتمع إلى وقود لصراعات إقليمية أو أيديولوجية يستدعي العودة بـ "أصل الحكم" إلى الجمهور، ومنحه السيادة الكاملة لاختيار ممثليه بمعزل عن ضغوط الأحزاب والمكونات التي صادرت إرادته لعقود.
المحور الخامس: المسار التنفيذي للسيادة المجتمعية والحلول
أ- يتجسد منطلق الخلاص في تبني استراتيجية "المقاومة بالوعي"، والتي تترجم إجرائياً عبر "النبذ الاجتماعي" للوجوه السياسية التي تقتات على الفتنة والمظلومية. إن رفع الغطاء المجتمعي والقبلي عن النخب الفاشلة هو السبيل الأوحد لتعرية زيف شرعيتهم، مما يفتح الأفق لبروز قيادات وطنية تستمد قوتها من ثقة المجتمع ونزاهة البرنامج، لا من الانتماء المذهبي أو التمويل الخارجي.
ب- تتطلب الجراحة الإصلاحية تغييراً هيكلياً في القوانين، وفي مقدمتها "قانون الانتخابات"، بحيث يتم التحول نحو "الانتخاب الفردي المباشر" الذي يربط الناخب بمرشحه دون وسيط حزبي. كما تقتضي الضرورة الاستعانة بمعايير أو رقابة دولية لضمان "الحياد الإجرائي" وتصحيح المسار السياسي، بما يضمن بناء مؤسسات لا تميل لجهة على حساب أخرى، ويُعيد للدين مكانته السامية كقيمة أخلاقية جامعة، لا كأداة للفرقة والتقاتل.
الخاتمة:
إن بلوغ بر الأمان يقتضي شجاعة مجتمعية فائقة لمكاشفة الذات، والاعتراف بأن السياسي ليس سوى انعكاس لمعايير المجتمع الذي أنتجه. إن بناء الدولة الوطنية لا يتحقق بـ "الصكوك التاريخية" أو "التعويضات الرمزية"، بل بإرساء دعائم القانون العادل الذي لا يميز بين مواطنيه. إن تحرر الوعي الشعبي من "سحر المظلومية" ونبذ "الثلة السياسية" المتاجرة بالآلام، هو الاختبار الوجودي الحقيقي لقدرة الشعب على استعادة سيادته، وتحويل "اللادولة" إلى كيان مؤسساتي ضامن للكرامة والعدالة والمواطنة الحقّة.
التعليقات الأخيرة