بنية "اللا-دولة" في العراق دراسة في تشابك السلطة، السلاح، والارتهان البنيوي للواقع السياسي
إعداد/ عدنان صگر الخليفه
مقدمة البحث: في تيه المنهج وأزمة التفسير
ينطلق هذا البحث من تساؤل جوهري يمس جوهر العلوم السياسية والاجتماعية: لماذا تبدو السلوكيات التي تحكم الواقع العراقي "شاذة" عن القواعد الأكاديمية المستقرة؟ إن الهدف هنا هو سبر أغوار هذا "الهجين" السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، ليس من باب الاتهام، بل من باب التفكيك والتحليل لمجموعة من الظواهر التي أدت إلى تغييب مفهوم "الدولة الوطنية" لصالح "سلطة المكونات والأحزاب"، مع رصد المحركات التي تضمن بقاء هذا النظام رغم التحديات البنيوية والخدمية.
سيكولوجيا الفاعل السياسي وقانون "البقاء المزدوج"
يبرز التساؤل الأول حول طبيعة الدوافع التي تحرك الفاعل السياسي في العراق؛ فهل يعمل وفق "عقد اجتماعي" وطني أم وفق "عقد غنيمة" فئوي؟ نلاحظ هنا سلوكاً مزدوجاً يعتمد على "الواقعية السياسية" في أقصى صورها؛ حيث يتم القبول بالاشتراطات الدولية والإقليمية لضمان تدفق الشرعية والموارد، بينما يُمارس في الداخل نوع من الابتزاز السياسي المعتمد على القوة. هذا التشابك يضعنا أمام تساؤل عن مفهوم "السيادة": هل هي قيمة وطنية ثابتة أم أداة مرنة تُستخدم وتُعطل حسب متطلبات البقاء في السلطة؟
إشكالية الشرعية: التساؤلات القانونية حول دور القضاء والمرجعيات
يثير المشهد العراقي تساؤلات قانونية ودستورية عميقة حول الحدود الفاصلة بين المؤسسات الرسمية والقوى الموازية. فكيف يمكن تفسير الخطابات الرسمية التي تضفي صفة "الشكر والتقدير" على كيانات مسلحة خارج إطار الاحتكار التقليدي للسلاح؟ هل يندرج ذلك ضمن باب "الضرورة السياسية" أم أنه يؤسس لنمط جديد من "الشرعنة المتأخرة" للواقع المفروض بالقوة؟ وبالموازاة، يطرح البحث تساؤلاً حول دور المؤسسات الدينية التي تُوصف عالمياً بـ "صمام أمان": إلى أي مدى يتم استثمار هذا "الهدوء" الذي توفره المرجعيات من قبل الطبقة السياسية لتثبيت نظام المحاصصة بدلاً من تغييره؟ وهل تحول "النصح الأخلاقي" العام إلى غطاء غير مقصود لاستقرار الفشل؟
سوسيولوجيا المجتمع: جدلية المسؤولية بين البيع والصمت
في هذا المحور، ينتقل البحث لمساءلة القاعدة الشعبية. تبرز هنا إشكالية "المواطنة المسلوبة"؛ حيث يضعنا واقع "بيع الأصوات" أمام تساؤل أخلاقي وقانوني: هل يسقط الحق في المطالبة بالحقوق والخدمات بمجرد تحول الصوت الانتخابي إلى سلعة تجارية؟ إن هذا الانتحار السياسي الطوعي، مضافاً إليه صمت النخب الثقافية والاجتماعية التي تنحت جانباً واتخذت دور المراقب، يطرح تساؤلاً حول "المسؤولية التضامنية": هل المجتمع العراقي بتركيبته الحالية شريك في إنتاج أزمته عبر القبول بـ "الثمن البخس" أو عبر "الصمت المطبق"؟
المعارضة والبديل الوظيفي: تساؤلات حول الارتهان للخارج
لا يقف التساؤل عند السلطة فحسب، بل يمتد لمن يقدمون أنفسهم كبدلاء. تبرز هنا إشكالية "رسائل المعارضة" الموجهة للعواصم الدولية؛ فهل يبحث هؤلاء عن تفويض شعبي داخلي أم عن "وكالة وظيفية" خارجية؟ إن تقديم ضمانات للمجتمع الدولي مقابل الوصول للسلطة يثير تساؤلاً حرجاً: هل نحن أمام مشروع تغيير حقيقي، أم أمام محاولة لاستبدال "سيد بسيد" مع الحفاظ على ذات بنية الارتهان والتبعية التي أرهقت كاهل الدولة العراقية؟
صناعة الوهم: الدور الإعلامي في صيانة "الكعكة"
يمثل الإعلام العراقي المسيس المحور الأخير في هذه الدراسة، حيث يبرز تساؤل حول وظيفة "العداء المفتعل". فكيف يفسر القانون والمنطق وجود قنوات فضائية تتناحر في العلن وتخوّن الآخر، بينما تجتمع الجهات الممولة لها على طاولة "المحاصصة" وتقاسم موارد الدولة؟ هل تحولت الصحافة من "سلطة رابعة" تراقب الفساد إلى "سلطة تخدير" تفتت الوعي الوطني وتمنع نشوء أي بديل حقيقي عبر إشغال الجمهور بمعارك وهمية لا تخدم سوى بقاء الطبقة السياسية الحاكمة؟
الخلاصة: نحو رؤية لنظام وطني متكامل
تنتهي هذه الدراسة بالتأكيد على أن الواقع العراقي هو "منظومة مغلقة" تعيد إنتاج نفسها عبر تداخل المصالح. إن الخروج من هذه الشرنقة لا يبدأ بتغيير الشخوص، بل بالإجابة العملية على التساؤلات المطروحة أعلاه: كيف نبني نظاماً يؤمن بالمواطنة كمعيار وحيد؟ وكيف نفك الارتباط بين "القداسة" و"الفشل السياسي"؟ إن "الأصلح" الذي تنشده الضمائر الحية لن يتحقق إلا بإنهاء "الشرعية الزائفة" والعودة إلى بناء دولة المؤسسات التي تحمي الفرد، وتصون القانون، وتضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار دولي أو حزبي.
التعليقات الأخيرة