حين يضيق صدر الأرض بالعدل
حين يضيق صدر الأرض بالعدل
بقلم/نشأت البسيوني
يولد الإنسان وهو محاط بوعود لا يسمعها لكن يشعر بها وعد الحياة أن تكون عادلة ووعد الزمن أن ينصف المتعبين ووعد القدر أن يوازن بين القلوب حين تميل كفة الظلم لكن ما إن يمضي العمر قليلا حتى يكتشف المرء أن العدل ليس دائما ضيفا سهل الدخول وأن الظلم ذلك الضيف الثقيل يصل إلى البيوت أسرع مما يصل الضوء إلى النوافذ الظلم ليس مجرد فعل إنه أثر أثر يبقى زمنا أطول مما ينبغي ويعيد تشكيل روح الإنسان بطريقة لا يراها أحد فمن ظلم لا يعود كما كان يتغير صوته تتبدل نظرته تتصلب يده حين تحاول الإمساك بخيوط الأمان التي أفلتت منه ذات يوم هناك لحظات لا تنسى مهما مرت عليها السنوات لحظة يسلب فيها الحق لحظة تغلق فيها الأبواب في وجه من طرقها بصدق لحظة يتهم فيها البريء بتهمة لم يعرفها إلا حين سمعها تتردد أمامه في تلك اللحظات يشعر الإنسان بأن العالم كله اتفق على دفعه إلى الزاوية وأن الهواء نفسه لم يعد يريد الدخول إلى صدره لكن المؤلم حقا ليس الظلم ذاته بل ما يتركه بعد رحيله هناك وجع لا يراه أحد لكنه يحدث في الروح تجويفا لا يسد ذلك التجويف الذي يجعل الإنسان يستيقظ أحيانا وسط الليل وهو يبحث عمن يفهمه عمن يلمس تلك المنطقة التي لا يصل إليها الكلام المؤلم أكثر أن يخطئ الناس في قراءة الوجوه فالوجوه المشرقة ليست دائما سعيدة والقلوب الهادئة ليست دائما مطمئنة هناك من يتعلم من كثر ما ظلم كيف يخفي أنينه خلف ابتسامة لا تشبهه وكيف يجر خطواته أمام الآخرين كأن الأرض لا تثقل عليه الظلم يعيد تشكيل الإنسان من الداخل يعلمه الصمت بدل الكلام والحذر بدل الثقة والتقوس بدل الانطلاق وقد يتخيل البعض أن الصمت الذي يختاره المظلوم ضعف لكن الحقيقة أن الصمت هو أقوى قرار يتخذه إنسان ذاق أن يتهم فيما لا علاقة له به أو يهان في لحظة كان ينتظر فيها دعما لا يأتي الظلم لا يقترب من الضعفاء فقط بل يختبر الأقوياء هناك من يظلم لأن يده قادرة وهناك من يظلم لأن قلبه نظيف لكن الجانب المضيء الوحيد ربما في تجربة الظلم هو أنه يكشف المعادن الحقيقية للبشر يكشف من يقف ومن يهرب من يصدق ومن يلون الكلام من يتظاهر بالدعم ومن يتركك حين تحتاج كلمته لا أكثر والعجيب أن البعض يظن أن الظلم ينتهي حين يغلق الباب أو حين يقال القرار أو حين ترفع اليد التي آذت لكنه لا ينتهي بل يبدأ فالوجع الحقيقي يبدأ بعد هدوء الأصوات بعد رحيل الوجوه بعد انتهاء اللحظة يبدأ حين يعود الإنسان إلى سريره ويحاول إقناع نفسه بأنه بخير بينما داخله شيء يتنفس بصعوبة لكن ما لا يعرفه الظلم أن المظلوم لا يموت قد ينكسر قليلا قد يتراجع خطوة قد يختبئ من العالم زمنا لكن المظلوم يعود دائما أقوى مما كان فالظلم رغم قسوته يعلم الإنسان درسا لا تنساه الروح أبدا أن الحق لا يحتاج إلى سلاح ليدافع عن نفسه وأن الصدق وإن وضع تحت الأقدام يظل أثقل من كل الأكاذيب التي ترفع فوق الرؤوس الزمن لا يقف عند واقعة لكنه لا ينسى ولأن الله لا ينسى أيضا يحدث فجأة أن يعود نور إلى القلب لم يعرف طريقه منذ زمن وتصل لحظة لا يتوقعها أحد يرى فيها المظلوم أن ما فقد يعود وما سلب ينهض وما سقط يرتفع هناك عدل لا يأتي على الأرض لكنه يأتي يأتي بطريقة لا تشبه الطرق التي يعرفها الناس يأتي حين ينطفئ الظالم من الداخل دون سبب وحين يجد نفسه محاصرا بما فعله وحين يكتشف أن القوة التي بنى عليها ظلمه لم تكن قوة بل خدعة مؤقتة ويأتي حين يسير المظلوم خطوة صغيرة إلى الأمام فينهار خلفه جبل من الوجع دون أن يشعر لأن الله رأى ما لم يره العالم كله الظلم ليس نهاية أحد الظلم بداية أخرى بداية قلب يعرف قيمته بعد أن أُهين وبداية روح تفهم الطريق بعد أن ضاعت فيه وبداية إنسان يصبح أشد فهما للحياة لأنه ذاق مرارتها بصدق لا بخيال ومن يعرف الألم يعرف أكثر من الجميع ومن مر بالظلم لا يكرر ظلمه على أحد ومن نجا من محنة لا يعود كما كان بل يعود أجمل وأقوى وأصفى وأشد إيمانا بأن العدل وإن تأخر لا يخطئ عنوانه
التعليقات الأخيرة