news-details
مقالات

حين انطفأ القلب وظل الجسد يتنفس

حين انطفأ القلب وظل الجسد يتنفس


بقلم/نشأت البسيوني 

لم أعرف أن القلب يمكن أن ينطفئ
كنت أظنه كالشمس يعود كل صباح مهما اختفى ومهما هزمه الليل
لكن يبدو أن بعض الليالي لا تمنح فرصة للنهار وأن بعض الانطفاءات نهائية حد أنك تشعر أنك لست أنت وأن الجزء الذي كان يميزك قد غادر دون سابق إنذار
كان قلبي طويل البال يتحمل يصبر يبتلع ويعود ليحب رغم كل ما خسره
كان يركض نحو الناس دون خوف يفتح أبوابه بلا حساب يصدق الكلمات ويمنح من حوله أكثر مما يمنح نفسه
لكن شيئا ما حدث
شيئا لم أكن مستعدا له ولم أتوقعه ولم أملك القوة لمواجهته
كان ذلك اليوم ثقيلا كأنه يحمل نهاية عمر كامل
استيقظت وأنا أشعر أن صدري خاو كأن شيئا كان يعيش داخلي ثم اختفى فجأة
لم يكن ألما ولم يكن خوفا
كان فراغا فراغا عميقا كأن أحدهم أطفأ شمعة كانت تنير روحي منذ سنوات
وقفت أمام المرآة نظرت إلى عيني طويلا
وشعرت بشيء مخيف
لم أعد أرى ذلك الوميض الذي كان يربطني بالحياة
لم أعد أرى أثر الحنين ولا رغبة الحب ولا حتى وجع الخذلان
كنت أرى شخصا ما يشبهني لكنه لا يملك قلبا
حينها فقط أدركت الحقيقة
قلبي مات
لم يمت بصوت عال بل مات في صمت قاس صمت يشبه سقوط ورقة في غابة لا يسمعها أحد
لم يمت بسبب خيانة واحدة بل بسبب كل الجراح الصغيرة التي تجاهلتها كل الوعود التي لم تحفظ كل النظرات التي كسرتني دون أن يلاحظ أحد
مات من كثرة النبض الذي لم يقدر من كثرة الحب الذي ضاع في طرق لا تؤدي إلى أحد
وأصعب ما في موت القلب أنك تبقى حيا
تبقى تمشي تتنفس تتكلم تعمل تضحك
لكن كل شيء بلا مذاق بلا حرارة بلا حياة
كأنك ظل لإنسان لا أكثر
في تلك الليلة جلست وحدي أضع يدي فوق صدري أبحث عن أثره
لكن الفراغ كان قاسيا أكثر مما ظننت
فراغ يقول
كل شيء انتهى
فراغ لا يواسي لا يرحم لا يعطي فرصة ثانية
فعلت ما يفعل الإنسان حين يصل إلى آخر طاقته
قررت أن أدفن قلبي أن أودع ذاك الجزء الذي خذلته الأيام أن أرحمه من المحاولات المتكررة التي لم تؤد إلا إلى مزيد من الانطفاء
حفرت قبرا داخلي
قبرا لا يراه الآخرون لكنه حقيقي بما يكفي ليغير حياتي
وضعت فيه كل ما ثقل علي
الذكريات الرسائل الانتظارات الطويلة الأسماء التي مرت وكسرت اللحظات التي نزفت والأحلام التي لم تصل
ثم غطيته بيدي
بيدي أنا لا بيد غيري
لأن من يدفن القلب يجب أن يكون نفسه الذي عاش معه وعرف قيمته
ومنذ تلك اللحظة تغيرت
لم أعد أنتظر أحدا
لم أعد أركض نحو أحد
لم أعد أشرح ولا أفسر ولا أبرر
تعلمت أن أكون وحدي دون أن أشعر بالنقص وأن أعيش دون قلب دون أن أسقط وأن أضحك دون أن يكون هناك سبب
صرت أكثر حكمة أكثر صمتا أكثر قوة
قوة لا يعرفها إلا من فقد قلبه ثم قرر أن يكمل طريقه رغم كل شيء
والغريب
أنني رغم هذا الموت الداخلي لم أفقد القدرة على النجاة
ما زال في روحي شيء يشبه الضوء شيء صغير لكنه ثابت شيء يقول لي في عمق الليل
ما زالت الحياة تنتظرك فقط بطريقة مختلفة

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا