news-details
مقالات

ذات… امرأة تتكلّم بصمت: قراءة في معمارية الخطاب النسوي عند صنع الله إبراهيم

ذات… امرأة تتكلّم بصمت: قراءة في معمارية الخطاب النسوي عند صنع الله إبراهيم


في زمن تتشابك فيه أصوات النساء وضجيج الأخبار وأسئلة الهوية، تعود رواية «ذات» لصنع الله إبراهيم لتقدّم خطاباً نسوياً من نوع مختلف: خطاب لا يرفع شعارات، ولا يقدّم بطلة ثورية، بل يبني نسويته بصرامة واقعية، عبر تتبّع حركة امرأة عادية في مجتمع غير عادي.
هذه الرواية، التي صدرت عام 1992، تبدو اليوم أكثر قدرة على فضح بنية القهر الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يحيط بالمرأة العربية، لأنها تقدّم القمع كما هو… بلا زخارف ولا خطب.
صنع الله إبراهيم يشيّد روايته كما يشيّد مهندسٌ بناءً متعدد الطوابق: طابق للحياة الشخصية، وآخر للوثيقة الصحفية، وثالث للجسد الأنثوي، ورابع للصراع الطبقي. وفي القلب من هذا البناء تقف “ذات”، امرأة تحاول أن ترى نفسها في مرآة مشروخة، فتكتشف أنها لا ترى إلا ما صاغه المجتمع لها.
امرأة تُروى لا امرأة تَروي: الذات كمسرح للهوية
يتخيّر الكاتب لحظة يومية بسيطة كي يمهّد لمعمارية الخطاب النسوي، فيصف البطلة وهي تنظر في المرآة:
«نظرتْ في المرآة…»
اقتباس مقتضب، لكنه يختصر بنية الرواية كلها: امرأة تبحث عن ذاتها، فلا تجد إلا أثر الرقابة الاجتماعية.
ليست “ذات” شخصية ثورية، ولا هي متمرّدة بطبيعتها؛ بل هي نتاج بيئتها، وهو ما أراده الكاتب بالضبط: أن يقدّم امرأة “عادية” كي يبرهن أن القهر ليس حالة استثنائية بل بنية راسخة.
وعبر تراكم التفاصيل الصغيرة—من المدرسة إلى الوظيفة، ومن الزواج إلى الأمومة—يتشكّل خطاب نسوي صامت لكنه بالغ التأثير؛ خطاب يقوم على التعرية لا على الاحتجاج.
الجسد بوصفه وثيقة اجتماعية
من أهم خيوط الخطاب النسوي في الرواية حضور الجسد الأنثوي بوصفه ساحة معركة. تلمّح الراوية في أحد المقاطع:
«شعرتْ بالحرج…»
هذه الومضة تكشف أن الجسد ليس ملكاً لصاحبته، بل موضوع مراقبة دائمة: من العائلة، من المؤسسة الدينية، من الإعلام، من الشارع، من الزوج.
هكذا يتحوّل الجسد في الرواية إلى وثيقة اجتماعية تُعرّي علاقة المجتمع بالمرأة، إذ يُخضِعها لتقيمٍ أخلاقي دائم، ويجرّدها من حقّها في التجربة الحميمية باعتبارها ملكية عامة.
وهذا ما يجعل الخطاب النسوي في «ذات» خطاباً جسدياً – اجتماعياً في آن، لأنه لا يطالب بتحرير المرأة من الخارج، بل يكشف عن الآليات الداخلية التي تجعل القمع أمراً طبيعياً.
الوثيقة والإعلام… حين تُعرّي الإعلاناتُ المرأة أكثر مما تسترها
تمتاز الرواية بتقنية موازية تعتمد على إدراج مقتطفات من الصحف والإعلانات والقرارات الرسمية. في أحد الإعلانات يتردّد:
«للشعر… وللبشرة…»
ليس هذا الاقتباس نوعاً من ديكور السرد، بل أداة تفكيك. فالإعلان، في سياقه الظاهر، يعِد المرأة بجمال سريع، لكنه في عمقه يفرض عليها صورة جاهزة: يجب أن تكون كما تريد السوق، لا كما تريد هي.
بهذا المزج بين الهامش (حياة ذات) والمتن (خطاب الإعلام)، يكشف صنع الله إبراهيم كيف تتحول المرأة إلى موضوع سياسي – استهلاكي – اجتماعي في وقت واحد.
إنّ الرواية هنا لا تكتفي بفضح السلطة السياسية، بل تكشف أيضاً سلطة السوق، وسلطة الصورة، وسلطة الجسد المُصنّع.
الزواج والعمل… هندسة القهر اليومي
في البيت، تواجه “ذات” شكلاً آخر من القمع: قمع الزوجية النمطية، التي تعتبر المرأة وظيفة قبل أن تكون إنساناً. تقول الراوية:
«أعدّت الطعام… دون رغبة»
هذا السطر القصير يكشف أنّ المرأة، في البناء الاجتماعي السائد، تُطالَب بأن تؤدّي أدوارها من دون حقّها في الرغبة أو الرفض.
أما في العمل، فهي تخضع لتسلسل إداري صارم يعيد إنتاج نفس النموذج: امرأة يجب أن تكون “منضبطة، مؤدّبة، غير مثيرة للمتاعب”.
هكذا تتكامل دوائر القمع: البيت، العمل، الشارع، الإعلام… وكلّها تجعل من “ذات” نموذجاً لامرأة مُطوَّقة من كل الجهات.
نسوية رجل… لماذا نجحت رواية «ذات»؟
قد يبدو غريباً أن تكتب روايةً نسوية في الأساس يدُ رجل، لكن قوة «ذات» تكمن في أنها قدّمت نسوية تحليلية لا انفعالية.
نجاح الرواية نسوياً يعود إلى أنها:
تكشف البنية الذكورية من الداخل، عبر التفاصيل اليومية.
تُظهر القهر البنيوي لا القهر الفردي.
تستبدل الصراخ بالتوثيق، والاحتجاج بالمفارقة.
تمنح صوتاً للصمت، إذ إن صمت “ذات” أبلغ من أي خطاب مباشر.
وهكذا تصبح الرواية حدثاً نسوياً لأنها تُحاكم المجتمع عبر امرأة واحدة، لا لأنّها تقدّم خطاباً أيديولوجياً مسبقاً.
منهجية القراءة: رؤية نقدية
لصياغة قراءة معمّقة للرواية، يمكن اعتماد منهج متعدد الزوايا:
التحليل السوسيولوجي: عبر ربط تجربة “ذات” بالبنية الطبقية والتحولات الاقتصادية.
التحليل النسوي: خصوصاً وفق تصورات سيمون دي بوفوار التي ترى أن المجتمع يصنع “المرأة” كما يصنع “الآخر”.
التحليل السيميائي: بقراءة الوثيقة الإعلامية بوصفها نصاً موازياً يكشف “لغة السلطة”.
التحليل البنيوي – التفكيكي: في تتبّع شظايا السرد التي تعكس تفتّت الهوية الأنثوية.
هذه المناهج تجعل المقال ليس مجرد انطباع صحفي، بل مادة قابلة للدرس الأكاديمي والنشر العلمي.
خاتمة: امرأةٌ تُختبر من خلالها الأمة
إنّ رواية «ذات» ليست رواية عن امرأة فحسب، بل رواية عن مصر في لحظة تاريخية حرجة—اقتصادياً وسياسياً وثقافياً.
“ذات” ليست بطلة، لكنها مِرآة: مرآة لمجتمع يُعيد تشكيل المرأة كما يعيد تشكيل المواطن، ومرآة لحياة تستهلك المرأة قبل أن تمنحها فرصة لاكتشاف ذاتها.
وبفضل لغته القاسية، وتوثيقه الحاد، وسرده الفاحص، ينجح صنع الله إبراهيم في تشييد خطاب نسويّ هادئٍ في نبرته، عنيفٍ في تأثيره.
إنها رواية تُقرأ لا لتُعجبنا، بل لتقلقنا… وهذا هو جوهر الأدب الكبير.
مراجع ومصادر مقترحة
كتب نقدية عن الرواية وصنع الله إبراهيم
جابر عصفور – زمن الرواية.
صلاح فضل – أساليب السرد في الرواية العربية.
محمد برادة – فضاءات سردية.
عبد المحسن طه بدر – تطور الرواية العربية الحديثة.
فيصل درّاج – نظرية الرواية ورواية الواقع.
مراجع حول الخطاب النسوي
سيمون دي بوفوار – الجنس الثاني.
نوال السعداوي – الأنثى هي الأصل، المرأة والجنس.
فاطمة المرنيسي – ما وراء الحجاب.
عبد الله الغذامي – المرأة واللغة.
سعاد المانع – دراسات في الأدب النسوي العربي.

ربا رباعي/الاردن

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا