"بين زمنين.. صرخة مواطن معدوم تحت وطأة البنزين والأنين"
"بين زمنين.. صرخة مواطن معدوم تحت وطأة البنزين والأنين"
بقلم: هبة هيكل
في بلدٍ كان يُقال عنها "أم الدنيا"، أصبح المواطن البسيط يُسحق تحت عجلات الغلاء بلا رحمة، ولا من يسمع أنينه.
ارتفعت أسعار البنزين فجأة بقرار من رئيس الوزراء الحالي الدكتور مصطفى مدبولي، رغم تأكيده المسبق بعدم وجود نية للزيادة، في مشهد لم يعد مستغربًا لدى المواطن الذي فقد الثقة في التصريحات الرسمية، وفقد معها أبسط مقومات الأمان الاقتصادي.
سؤال في وجه العاصفة: لماذا؟
بينما يشهد العالم انخفاضًا في أسعار النفط وتراجعًا ملحوظًا في سعر الدولار، تأتي الحكومة بقرار زيادة أسعار الوقود. منطق اقتصادي مقلوب، يدفع ثمنه المواطن الذي لا يمتلك سيارة، بل يركب "الميكروباص" و"التوكتوك"، ويُجبر على دفع أضعاف الأجرة، ليس لشيء سوى لأن البنزين ارتفع.
الخضروات؟ الفواكه؟ المخبوزات؟ جميعها قفزت أسعارها بلا رحمة، لا لعيبٍ في الفلاح أو التاجر، بل لأن تكاليف النقل ارتفعت.
الطفل الصغير الذي يأخذ "ساندويتش فول" للمدرسة، لم يعد قادرًا عليه.. والأم التي كانت توقد النار بإسطوانة غاز بـ4 جنيهات، أصبحت تدفع 235 جنيها!
فمن أين تأتي بها إن كانت لا تجد قوت يومها؟
الفرق بين زمنين:
في زمن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، كانت إسطوانة الغاز تُباع بـ4 جنيهات.
رغم ما كان عليه من انتقادات، فقد عرف المواطن البسيط الاستقرار في الأسعار.
كان هناك دعم حقيقي للطاقة، والخبز، والتعليم.
كان المواطن يشعر بوجود "حد أدنى من الرحمة"، حتى لو شكا من الفساد أو البطالة.
لكن في العصر الحالي، عصر ما بعد 2014، يتحدث المسؤولون عن رفع الدعم وكأنه ترفٌ اجتماعي، لا حقٌ من حقوق البسطاء.
وجهة نظر سياسية وقانونية:
سياسيًا، تبرر الحكومة قراراتها بأنها إصلاح اقتصادي، يُملى من المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتحميل الفقراء ثمن الفشل الإداري أو الفساد المالي، بل يكون بمحاربة التهرب الضريبي، وإصلاح الهياكل الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار المحلي.
قانونيًا، الدستور المصري في مادته (27) ينص على أن "النظام الاقتصادي يهدف إلى تحقيق الرخاء في البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية". فأين العدالة إذا كان المواطن المعدوم لا يجد ثمن أنبوبة غاز؟
أما من ناحية حرية التعبير، فالدستور المصري في المادة (65) ينص على أن "حرية الفكر والرأي مكفولة"، والمادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تؤكد الحق في التعبير دون تدخل.
وهذا المقال ليس تحريضًا، ولا افتراءً، بل صرخة مواطن يتحدث بالقانون والدستور، ويستغيث.
وجع المواطن المعدوم:
تخيل أن رجلاً بلا عمل، لديه ثلاثة أطفال، يسكن في غرفة واحدة بالإيجار، ويحتاج يوميًا 10 جنيهات مواصلات، و50 جنيهًا طعامًا، ويدفع فواتير مياه وكهرباء بأسعار حرة، ثم تأتيه الحكومة بزيادة جديدة على البنزين، وعلى الغاز، وعلى كل شيء.
متى يعيش؟ كيف ينجو؟ وماذا تقولون له إن قرر أن يُطعم أبناءه من القمامة؟ هل ستتهمونه بالإهمال؟
المواطن لم يعد يطلب الترف، بل فقط: "أريد أن أعيش".
خاتمة... لعلها توقظ الضمير:
إن المواطن المصري لا يستحق هذه القسوة. لا يجب أن يُعامل كرقم في معادلة اقتصادية جافة.
من حقه أن يتنفس، أن يأكل، أن يدفئ أطفاله في الشتاء دون أن يُحسب عليه أنفاسه.
إلى كل مسؤول: ارفعوا أيديكم عن المواطن المعدوم، قبل أن يُرفع الوطن كله في نعش الألم.
"المقال لا يهدف إلى التشهير أو الإساءة، وإنما يُسلّط الضوء على واقع اقتصادي يعاني منه المواطن المصري، مع الاستناد إلى تصريحات موثقة ومعلنة من قبل المسؤولين، وفقًا لما يكفله القانون والدستور من حرية في الرأي والتعبير."
حرره بقلم كل موجوع من وطنه،
وبقلب لا يزال يحلم بعدالة ضائعة.
هبة هيكل
التعليقات الأخيرة