"التحول الرقمي" في العراق.. عندما تصبح "الحاسبة" أداة للابتزاز والتعطيل
مقال رأي: "التحول الرقمي" في العراق.. عندما تصبح "الحاسبة" أداة للابتزاز والتعطيل
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
4/تشرين الاول/2025
إنها المفارقة المرة التي يعيشها المواطن اليوم، فبدلاً من أن تكون المنصات الإلكترونية هي أداة الحكومة لمكافحة الفساد والإسراع في الإنجاز، تحولت تلك الأنظمة بأيدي موظفي الدولة في دوائر حيوية مثل التسجيل العقاري في وزارة العدل، وأمانة بغداد، ووزارة البلديات، إلى محرقة لجهد المواطن ووقته. لقد بات "التحول الرقمي" في هذه المؤسسات مجرد غطاء شكلي، يخفي تحته سياسة "تعطيل ممنهج" تديرها أطراف مستفيدة من الفوضى والروتين. الدليل القاطع على ذلك هو الفارق الصارخ بين مستوى الخدمة: ففي دوائر مثل الجوازات والأحوال المدنية، فإن أي تصحيح لبيانات المواطن على المنظومة يتم في غضون دقائق معدودة ويظهر بشكل فوري على كافة الأجهزة الرقمية في عموم العراق، مما يثبت أن البنية التحتية التكنولوجية موجودة وتعمل بكفاءة عالية. فلماذا يتحول نفس مستوى العمل الذي لا يستغرق سوى دقائق في تلك المؤسسات، إلى أسابيع وشهور في التسجيل العقاري والبلديات لمجرد مخاطبة أو إرسال كتاب رقمي؟ الجواب يكمن في قلب المشكلة: شعبة الحاسبة، التي أصبح موظفها حارس بوابة الابتزاز والجهة التي تمتلك سلطة التأخير المتعمد الذي يهدف لحماية الجيوب الفاسدة وإبقاء السوق السوداء لـ "معقبي المعاملات" نشطة، في حين يضطر المواطن إلى تحمل الثقل الكبير للتنقل بين المحافظات والمركز كـ"ثمن غير رسمي" لخدمة هي حق أصيل له. هذه الاستهانة المفرطة التي يواجهها المواطن ليست إهمالاً فردياً، بل هي آلية عمل مقصودة لترسيخ الفساد. ولا يمكن إلقاء اللوم على الموظف الصغير وحده، فعندما يتغاضى الوزير أو الأمين أو المدير العام عن تأخير يمتد لأشهر في مراسلات حيوية مع علمه التام بآلية التعطيل، فإن هذا يعني أنه إما متواطئ صراحة في حماية منافذ الفساد أو عاجز عن فرض الانضباط الإلكتروني، وبذلك يصبح غياب المحاسبة الفورية والصارمة على كل تأخير رقمي دليلاً إدارياً قاطعاً على التواطؤ. آن الأوان لتستفيق الحكومة وتفهم أن نجاح التحول الرقمي لا يكمن في شراء الأنظمة، بل في نزع سلطة التعطيل من أيدي الفاسدين من خلال فرض سقف زمني إلزامي لا يتجاوز 72 ساعة للمخاطبات البينية الإلكترونية، واعتبار تجاوز هذا الحد جريمة إدارية، وإلا فستبقى "الحاسبة" مجرد جهاز لطباعة رسالة واحدة للمواطن مفادها: "انتظر، فمصلحتك ليست أولوية هنا".
التعليقات الأخيرة