تصيب صميم القلب فتفسده
تصيب صميم القلب فتفسده
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله خلق الخلق وبالعدل حكم مرتجى العفو ومألوه الأمم كل شيء شاءه رب الورى نافذ الأمر به جف القلم، لك الحمد ربي من ذا الذي يستحق الحمد إن طرقت طوارق الخير تبدي صنع خافيه إليك يا رب كل الكون خاشعة ترجو نوالك فيضا من يدانيه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، أسلم له من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية كما جاء في كتب الفقه الإسلامي الكثير عن موضوع الرشوة وعن حكمها الشرعي في الإسلام وعن أخطارها وأضرارها علي الفرد وعلي المجتمع، ولا شك أن مضار الرشوة مما أجمع العقلاء عليها سواء على الفرد أو على المجتمع.
في العاجل أو في الآجل، ولكن هذا الإجماع في حاجة إلى تفصيل وأمثلة في بعض المجالات مما يزيد المعنى وضوحا، وأن مضار الرشوة تتفاوت بتفاوت موضوعها وإختلاف درجات طرفيها، فهي وإن كانت داء واحدا إلا أن الداء تختلف أضراره بإختلاف محل الإصابة به، فالداء يصيب القلب وغيره، إذا أصاب اليد أو الرجل، كالجرح مثلا، فجرح القلب أو الدماغ قد يميت، وجرح اليد أو الرجل غالبا ما يسلم صاحبه ويبرأ جرحه، وإن ترك ألما أو أثرا في محله، والناس في هذا الموضوع منهم من هو بمثابة القلب والرأس والعين، ومنهم من هو كسائر أعضاء الجسد، وعليه فإذا كانت الرشوة في معرض الحكم فإنها الداء العضال والمرض القاتل لأنها تصيب صميم القلب فتفسده فيختل في نبضاته ويفقد التغذية ويصبح غير أهل للحكم، وقد نص الفقهاء.
أن الحاكم إذا أخذ الرشوة إنعزل عن الحكم لأنها طعن في عدالته التي هي أساس توليته، وكما أنها تفسد منهج الحكم في الأمة أيّا كان منهجها، فإذا كان يقتضي كتاب الله في بلد إسلامي فإنها ستجعله يغير هذا المنهج ويحكم بهواه وهوى من أرشاه، وهذا أشد خطرا عليه هو، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه إنه كفر مستدلا بقوله تعالى كما جاء في سورة المائدة " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " وكما أن من أضرار الرشوة هو أن يفقد المجتمع الثقة في الحكم، فلا يعول أحد على منهج القضاء والتحاكم لأخذ الحق، وعندئذ فلا يكون أمام المظلوم إلا أن ينتقم لنفسه، ولا عند صاحب الحق إلا الإحتيال لأخذ حقه بيده، وفي هذا كله من الفساد مالا يعلم مداه إلا الله تعالى، وبالتالي ينقلب منهج الإصلاح الاجتماعي، فبدلا من أن يتعاون الناس على البر والتقوى.
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يكون على العكس من ذلك كله، وفي هذا مضيعة للأمة كلها، كما ضاعت أمة بني إسرائيل كما قال تعالى في موجب لعنهم كما جاء في سورة المائدة " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " وكما أن من أضرار الرشوة هو إعطاء الفرصة والتمكين لكل مبطل ليتمادى في باطله؛ فتسلب الأموال وتنتهك الأعراض وتسفك الدماء بدون أي مبالاة تعويلا على أنه سيعبر على جسر الرشوة دون أن يلقى جزاءه، ومن مجموع كل ذلك ستقع الفرقة والشحناء والتقاطع في المجتمع، وإذا جاوزنا مجال الولاة والحكام فإننا نجد بساحتهم وقريب منهم قرب الفم من الرأس كل من ولي أمرا للمسلمين فلم ينصح لهم حتى يرى الرشوة بعينه أو ينالها بيده، أو تظهر في نطاق عمله وإن كان هو عفيفا لكنه تغاضى عنها بالنسبة إلى من تحت ولايته.
وفي إستطاعته منعه منها، وذلك على حد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه " وقوله صلى الله عليه وسلم " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " والمفاسد في هذا المجال عديدة منها تعطيل الأعمال بغية بذل الرشوة، وبالتالي تكديسها وعدم إنجازها، ويترتب عليه كساد العمل في البلدة وقلة الإنتاج والمضرة على المجتمع بكامله، وذهاب قيمة هذا الجهاز بكامله أدبيا وخلقيا وقريبا من ذلك رسميا، وقد يؤدي إلى تغيير في الجهاز، ويفشو في الناس أن الرشوة هي السبب فتكون مسبة وعارا.
التعليقات الأخيرة