ربط قلعة القاهرة بسائر أنحاء البلاد
ربط قلعة القاهرة بسائر أنحاء البلاد
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، أما بعد ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن دولة المماليك في مصر، وذكرت المصادر أنه تتطلب تحصين الأطراف والثغور إيجاد وسيلة نقل سريعة لربط قلعة القاهرة بسائر أنحاء البلاد بهدف تلقي الأخبار وإصدار الأوامر، وكان أول من تنبه إلى ذلك هو الظاهر بيبرس، فوضع نظاما خاصا للبريد لما له من منفعة، وربط بواسطته جميع أنحاء البلاد التي يحكمها بشبكة من خطوط البريد البرية والجوية، وكان مركز هذه الشبكة هو قلعة الجبل في القاهرة، وتتفرع من المركز أربعة فروع هي فرع يتجه جنوبا إلى قوص بالوجه القبلي وما يلي ذلك من النوبة، وفرع يتجه شرقا إلى عيذاب وسواكن على بحر القلزم.
وهو البحر الأحمر، وفرع يتجه غربا إلى الإسكندرية وبرقة، وفرع يتجه شمالا إلى دمياط ومنها إلى غزة ثم يتفرع منها إلى سائر الشام، وإقتصر عمل البريد على إيصال الأوامر السلطانية إلى كافة النيابات في مصر والشام، وإستقبال الرسائل من حكام النيابات، وإستقبال التقارير من ولاة الأعمال، وأقيمت المحطات البريدية على مسافات تبعد إحداها عن الأُخرى إثني عشر ميلا وربما تفاوتت المسافات بين بعضها البعض بفعل وجود ماء أو قرية وزودت بما يحتاج إليه ناقل الخبر من زاد وخيل وعلف، كما روعي في إختيار أماكنها توفر المياه أو وجود قرية قريبة كي يستأنس البريديون بسكانها، كان لقرب هذه المحطات بعضها من بعض أثر كبير في تسهيل مهمة الرسل على إجتياز المسافات بسرعة فائقة، فإذا وصل ناقل الخبر إلى محطة، بدل فرسه المتعب بآخر مستريح.
وتزود بما يحتاج إليه وأضحى البريدي يقطع المسافة من دمشق إلى القاهرة في مدة ثلاثة أيام والعكس صحيح، وكان يشرف على البريد صاحب ديوان الإنشاء أو كاتب السر، كما أضحى يسمى منذ أيام قلاوون لم يقتصر إرسال البريد بالطرق البرية، بل تم إستخدام البريد الجوي، في الحلات المستعجلة بواسطة الحمام الزاجل، وخصص له براجون يعتنون به ويدربونه، وكانت قلعة الجبل بالقاهرة المركز الرئيسي لأبراج الحمام الزاجل، كما أقيمت محطات أخرى في جهات مختلفة من أنحاء السلطنة تماما مثل محطات البريد البري، لكن تزيد عليها في المسافة، وخصص لكل محطة عدد من الحمام، فإذا نزل الحمام في محطة منها، نقل البراج الرسالة التي يحملها الطائر إلى طائر آخر ليوصلها إلى المحطة التي تليها وكان الحمام يقطع المسافة بين المحطة والتي تليها.
وهي سبعة أميال تقريبا، في ثلث الوقت الذي تقطعها فيه الخيل، وقد إعتمد الجهاز الإداري الضخم للدولة المملوكية على مجموعة من الدواوين الكبيرة التي ضمت عددا ضخما من الموظفين لإدارة مرافق الدولة المتنوعة وأهم هذه الدواوين هي ديوان الجيش ومهمته الإشراف على طوائف الجند، وتوزيع الإقطاعات عليهم، وكذلك ديوان الإنشاء ومهمته هو تلقي الرسائل المختلفة التي ترد إلى السلطان وإبلاغها إليه وإعداد الردود عليها، وكانت تتبع هذا الديوان إدارة البريد، وهي إدارة ضخمة في عصر المماليك تولت شؤون البريد البري والجوي، وكذلك أيضا هناك ديوان الأحباس أي الأوقاف ويقوم صاحبه برعاية شؤون المؤسسات الدينية والخيرية من مساجد ومدارس وزوايا، كما يشرف على الأراضي والعقارات المحبوس عليها، وأيضا ديوان النظر.
وقد إختص بمراقبة حسابات الدولة، والإشراف على إيراداتها ومصروفاتها وما يتبع ذلك من القيام بصرف مرتبات الموظفين، وكان جانب من هذه المرتبات يصرف نقدا في حين صرف الجانب الآخر عينا من غلات ولحوم وتوابل وسكر وشمع وغيرها من الحاجيات والأرزاق.
التعليقات الأخيرة